
حين شاهدت العام الماضي احد لقاءات الشعبوي ستيڤ بابون Steve Bannion —سبق وعمل كبيراً لاستراتيجي ترامب في ادارته الأولى— مع قناة NPR، لم يستوقفني في مشهد مكتبه الذي يعج بالأيقونات المسيحية والصلبان وتماثيل وصور المسيح والسيدة العذراء سوى مجموعة من الكتب متراصة وسط المكتب استطعت أن احدد منها بوضوح عنوان كتاب عن الرئيس الصيني، صدر منذ عامين، حيث يظهر عنوان الغلاف الجانبي On Xi Jinping كما هو موضح بالصورة المرفقة: الكتاب بعنوان On Xi Jinping: How Xi’s Marxist Nationalism is Shaping China & the World
(عن چي شينبينغ: كيف تُشكل الماركسية الوطنية لـ چي الصين والعالم)

كنت قد أضفت هذا الكتاب إلى مجموعة كتب اقتنيتها للمساعدة في فهم التجربة الصينية، وبقى لدي بغير اطلاع جدي حيث كان أول علمي به بسبب من مشاهدتي لقاء مع مؤلفه كيڤن رود، Kevin Rudd رئيس وزراء أسبق لاستراليا —وعمل أيضاً سفيراً لبلاده في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن وجود الكتاب على منضدة بانون أعاد إثارة اهتمامي للاطلاع عليه رغم أن اقتناء هذا الأخير له ربما رسخ تصوري المسبق في أنه لن يغدو اكثر من قراءة غربية أيديولوجية ضمن سياق البروباجندا المعادية الصين في تكرار لتعميمات مشابهة في إصدارات مراكز بحثية مرتبطة بشكل عضوي بالإمبراطورية الأمريكية مثل Council of Foreign Affairs وغيرهم. لكن الحقيقة أنني تفاجأت بأن هذا الكتاب كان يمثل استجابة للتحدي الذي سبق وطرحه البروفيسور رولاند بوبر Roland Boer في كتابه عن الاشتراكية بخصائص صينية الصادر بالعام ٢٠٢١ حين كتب مستنكراً: “يكاد لا يوجد أحد، ضمن العدد المحدود نسبياً من البلدان الغربية، يأخذ فكر أي قائد على محمل الجد، فضلًا عن قائد حالي. وقد تناولتُ هذه الإشكالية من قبل، مبيّناً أوجه القصور الظاهرة في التقليد الليبرالي الغربي فيما يتعلق بالتحليل السياسي ودور أفكار القائد السياسي. ومن ثمّ، فلا ينبغي أن يكون مفاجئاً أنه لا يوجد، في السياق الغربي، أي اشتباك جاد تقريباً مع فكر چي شينبينغ فضلًا عن انشغالاته الواسعة بالماركسية.”
“virtually no-one in the relatively small number of Western countries takes the thought of a leader seriously, let alone a current leader. I have addressed this problem … indicating the distinct shortcomings of the Western liberal tradition in terms of political analysis and the role of a political leader’s thoughts. Thus, it should be no surprise that there is in a Western context virtually no serious engagement with Xi Jinping’s thought, let alone his extensive engagements with Marxism.” (I)
إلا أن كتاب رئيس وزراء استراليا الأسبق يستجيب لهذا التحدي. فما الذي يقدمه كيڤن، في كتابه عن الرئيس الصيني وما الذي دعاه لأن يأخذ على محمل الجد الرؤية الأيديولوجية الماركسية للرئيس الصيني، وكيف يساعدنا تحليله في فهم التناقضات الصينية فيما يخص السياسة الخارجية والسياسات الاقتصادية الاجتماعية على المستوى الوطني ⁉️
ينطلق كيڤن من مسلمة بسيطة مفادها أن هنالك شيء جديد قد حدث في الصين مع الرئيس الصيني چي شينبينغ: “هنالك أفكار كبرى خلف كل ذلك يتوجب علينا فهمها بالمثل. بغير ذلك، فإننا فقط نتعامل مع قمة جبل الجليد الصيني – تجلّي التغيرات عوضاً عن أسبابها وبنيتها. لأن المخاطر التي تواجه الصين والعالم أصبحت الآن عالية جداً، وبسبب من أن احتمال نشوب صراع جيوسياسي قد أضحى واسع النطاق بشكل كبير، أصبح من المتعين أكثر من أي وقت مضى تسخير كل جهد فكري للوصول إلى الحقيقة بشأن ما يجري أمامنا، ولماذا يحدث، وماذا يمكن لصناع السياسات أن يفعلوه… يجد هذا الكتاب أن هناك بالفعل وضوحاً كافياً، إن لم يكن كاملاً، بشأن ملامح المنظومة الفكرية لـ چي شينبينغ وتداخل علاقتها العميقة بالتحول في توجهات السياسات الصينية. وأنا أزعم بأنتا نتجاهل وضوح چي في أغراضه الأيديولوجية على مسؤوليتنا في تحمل ما ينجم عن ذلك من مخاطر” (II).
لكن دعونا بدايه نلخص الحجة الرئيسية للكتاب والتي افرد لها الكاتب صفحة كاملة في بداية الكتاب على شكل نقاط متسلسلة وردت على النحو التالي:
▪️ أن چي يوظف الأيديولوجيا بإعادته لدورها في الحزب الشيوعي الصيني CCP كأداة لتعزيز سيطرته على الحزب وسيطرة الحزب نفسه بوصف الأيديولوجيا ليست فقط سبيل لتحقيق الشرعية السياسية، بل أيضاً بوصفها آلية تعمل كمؤشر لتغييرات سياسية واسعة النطاق بشأن النظام الصيني؛
▪️ قام چي بتغيير الأسس الأيديولوجية لـ CCP بتطوير ما يمكن تسميته بـ “الماركسية-اللينينة الوطنية” —التي يجر اختصارها في الكتاب باسم “الماركسية الوطنية”— وهي تتجلى فيما يطلق عليه الحزب “رؤية چي شينبينغ للعهد الجديد”؛
▪️ في هذا السياق، أخذ چي، منذ العام ٢٠١٢، السياسة الصينية في اتجاه “اليسار اللينيني”، بما يعنيه ذلك من إعادة توكيد سلطات القائد على القيادة الجماعية للحزب، معيداً توظيف حركة ماو للإصلاحات الحزبية كيما يعيد للحزب انضباطه، مع ترسيخ الدور المهيمن للحزب على ماكينه الدولة الصينية من التكنوقراط المحترفين؛
▪️ منذ عام ٢٠١٧، قام چي أيضاً بإزاحة مركز الجاذبية في السياسة الاقتصادية الصينية نحو “اليسار الماركسي” بالتأكيد على أولوية كلٍ من: (أ) تخطيط الدولة على قوى السوق؛ (ب) قطاع الأعمال المملوك للدولة State-Owned Enterprises SOE على الشركات الخاصة؛ (جـ) مساواة أكبر في الدخول على تفشي اللا مساواة؛
▪️ على المستوى الدولي، أزاح چي السياسة الخارجية والأمنية للصين نحو “اليمين الوطني” كما يتبدى ذلك في الحملات الوطنية المتزايدة عن مركزية الحضارة الصينية، مع تعزيز التظلم الثقافي عن ماضي الغرب في احتلال الصين واحتوائها، والإمكانية الراهنة لـ “التجديد الكبير للأمة الصينية” كما تصيغها الدبلوماسية الجديدة لـ “الذئب المحارب” التي تعطي شرعية لمزيد من المواقف الحاسمة تجاه العالم حيث يُسَخّر في هذا السياق التوكيد الأيديولوجي بأن زمن الصين قد حان مع “صعود الشرق وأفول الغرب.”
▪️ بأخذها مجتمعة، هذة العوامل المختلفة في “الماركسية الوطنية” الجديدة لـ چي لم تبقَ تجريد أيديولوجي، بل هي صاحبت توجهات جديدة ملموسة للصين على صعيد السياسة الدولية وعلى صعيد سياسة الصين الاقتصادية والخارجية؛
▪️ لهذة الأسباب، تعطي وجهة نظر چي الأيديولوجية، في تطورها، قيمة استشرافية بشأن الخطوط العريضة المحتملة لسياسة الصين في المستقبل، بما في ذلك من تصورات الحزب الشيوعي الصيني بشأن تشكيل نظام دولي بديل بمجموعة من القواعد والقيم والترتيبات المؤسسية التي هي مختلفة بشكل كبير عن ذاك النظام الذي تقوده الولايات المتحدة والذي هيمن بشكل أو بآخر منذ العام ١٩٤٥ (III)
إذن، فلدى چي، بحسب الكتاب، توجه يميني فيما يخص السياسة الخارجية للصين، وتوجهين آخرين يساريين أحدهما “ماركسي” بخصوص السياسة الاقتصادية الصينية، والثاني “لينيني” فيما يخص إدارة الحزب وهيمنته السياسية: هذة التوجهات الثلاثة الايديولوجية مجتمعه، مع ممارسات چي العملية، صنعت ما أطلق عليه الكاتب اسم “الماركسية الوطنية” في الصين المعاصرة. لكن ماهي العناصر الجوهرية للماركسية الصينية بحسب المؤلف ⁉️
لقد قام بحصرها في سبع عناصر أقوم بنقلها نصاً —دون إيراد أية تحفظات على صياغتها— على النحو التالي:
▪️ “أولاً، تُمثل الماركسية الصينية رؤية تاريخية مادية بحتةً، لا مثالية، بمعنى أن المعرفة تنبع من تفاعل الإنسان مع الكون المادي، لا من أي شكل من أشكال الميتافيزيقا
▪️ ثانياً، تُشكل هذه المعرفة جزءاً من مجموعة متسقة من قوانين التطور العلمية الراسخة، والتي تنطبق على العلوم الفيزيائية والاجتماعية
▪️ ثالثاً، من بين هذه القوانين العالمية نظرية الحتمية التاريخية لماركس وإنجلز، والتي ترى في نهاية المطاف أن المجتمع الشيوعي ينشأ من خلال عمليات جدلية ثابتة، ناتجة عن ظلم المجتمعات العبودية والإقطاعية والرأسمالية، وحتى الاشتراكية
▪️رابعاً، آلية التغيير في هذه العملية هي المادية الجدلية، القائمة على مفهوم وحدة الأضداد، وتداخل الظواهر، ونظرية التناقض
▪️ خامساً، في إطار المادية الجدلية، يعمل قانون التناقضات عندما تتصادم الأضداد (أي القوى التقدمية والرجعية)، مما يتطلب حلاً إما بالنضال العنيف أو اللاعنفي، اعتماداً على ما إذا كانت تلك التناقضات مع “العدو” أو بين “الشعب”
▪️ سادساً، تنطبق هذه القوانين العالمية على التناقضات بين الطبقات داخل المجتمع بقدر ما تنطبق على التناقضات بين دول العالم الرأسمالي والإمبريالي، وبين هذه الدول والعالم الاشتراكي. وبالتالي، فإن الصراع قابل للتطبيق عالمياً، سواء داخل الدول أو فيما بينها
▪️ وأخيراً، فإن القوانين المختلفة الموصوفة أعلاه حتمية وإرادية في آن واحد – أي أنه على الرغم من أن قوى التاريخ العالمي التي لا تُقاوم تدفع العالم في هذا الاتجاه، فإن وتيرة تقدم العالم تحددها أيضاً الوكالة [الإرادة] السياسية النشطة للفاعلين الفرديين والجماعيين” (IV).

في هذة الإشارة الموجزة للأفكار الرئيسية للكتاب ينبغي التوقف أمام ما يعتبره المؤلف هواجس أيديولوجية مبكرة للرئيس الصيني يجري استعراضها من خلال:
▪️ أولاً: وثيقة حاسمة (تُعرف باسم الوثيقة # ٩) صدرت رسمياً بالعام ٢٠١٣ بعدما تسربت لخارج دوائر الحزب بحيث كانت من قبل للتوزيع الداخلي حصراً، وكانت تحت عنوان ترجمه المؤلف إلى
A Communiqué on the Current State of the Ideological Sphere
(بلاغ حول الوضع الراهن في المجال الأيديولوجي)
والوثيقة تعكس، بحسب المؤلف، تصورات چي شينبينغ الأيديولوجية، في خلال عام من توليه السلطة، وهي تتعرض إلى خطورة تفشي “النزعات الأيديولوجية الخاطئة” التي تستهدف الحزب، وهي النزعات التي عددتها الوثيقة ويمكن إجمالها بوصفها تهديدات أيديولوجية وسياسية يُنظر إليها كأدوات غربية تستهدف تقويض النظام الاشتراكي الصيني وقيادة الحزب الشيوعي، وذلك عبر الترويج لمفاهيم مثل الديمقراطية الدستورية، وفصل السلطات، وخطورة توظيف القيم الغربية بوصفها “قيم كونية” بغرض إحلالها حلالها محل “القيم الجوهرية للاشتراكية”، عبر تصويرها كأساس لتفوّق الغرب الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي. كذلك استخدام مفاهيم “حرية الإعلام” و”المجتمع المدني” باعتبارها وسائل لاختراق البنية الأيديولوجية والسياسية للصين، كما يشير النص إلى خطر النزعات “العدمية” التي تسعى إلى التشكيك في التاريخ الثوري الصيني وإنكار “القيمة العلمية والإرشادية لفكر ماو تسي تونغ”، بما يهدف إلى نزع الشرعية عن الهيمنة السياسية للحزب الشيوعي الصيني. كذلك ينتقد النص بعض أنصار “الإصلاح والانفتاح” الذين يدعون إلى اعتماد “المعايير الغربية” لتحقيق “الإصلاح الشامل”، إلى جانب الضغوط التي تمارسها “النيوليبرالية” والعولمة النيوليبرالية لدفع الصين نحو “التسويق الكامل للاقتصاد” وإضعاف سيطرة الدولة على الاقتصاد الوطني (V)
▪️ثانياً: خطاب للرئيس الصيني بالعام ٢٠١٣ والذي تبدت فيه ملامح أيديولوجية رئيسية استمرت للعقد التالي في إدارة چي، وهي تتمثل فيما يلي: “(١) التأكيد على مركزية الأيديولوجيا في بقاء الحزب الشيوعي الصيني، مقارنةً بسقوط الاتحاد السوفييتي، حيث رأى أن التآكل بدأ أساساً من الانحدار الأيديولوجي (٢) الإعلان عن أن التقدم المادي للصين يظل غير كافٍ ما لم يرافقه تقدم في المجال الروحي (أي الأيديولوجي)، وإلا ستصبح الصين ضحية لـ “الابتذال” الذي تفرضه السوق (٣) رؤية أن الصين تخوض صراعاً أيديولوجياً تناحرياً مع الغرب دفاعاً عن “روحها” ذاتها (٤) اعتبار أن الحزب الشيوعي الصيني المعاصر، بعد مرحلة طويلة من الإصلاح والانفتاح، يعيش حالة من التصدع الأيديولوجي وأزمة إيمان، ويحتاج إلى خوض صراع أيديولوجي داخل صفوفه (٥) أن الوقت قد حان للانتقال إلى الهجوم الأيديولوجي ضد إخفاقات الغرب، وإحياء الإيمان الجوهري بالقضية الماركسية-اللينينية، وتعزيز هذا الإحياء الأيديولوجي عبر السردية القومية الجديدة التي طرحها چي تحت عنوان “الحلم الصيني” (VI)
◼️ يتطرق المؤلف إلى عدد من الخطابات الأخرى والوثائق التي تطرح رؤية چي شينبينغ السياسية والاقتصادية، بل والفلسفية فيما يخص المادية الجدلية وكيفيه اعتزازه مثلاً بفكر ماوتسي تونغ بأكثر من اي من قيادات الحزب الشيوعي الصيني الذين تلوه في الحكم. حين تتصفح هذا الكتاب فهو في الأغلب لن يعجبك مرة واحدة إن كنت ترغب في قراءة أيديولوجية خالصه تضع الصين في معسكر الشر الذي يواجه معكسر الديمقراطية والحريات الذي يقوده الولايات المتحدة الأمريكية؛ كما أنه لن يعجبك مرتين إذا كنت تريد أن تنظر له بوصفك ماركسي: إحداهما لأن الكاتب عمد –في نظرك– إلى تشويه الماركسية اللينينية التي يحاجج الكتاب أنها حجر الزاوية الأيديولوجي في فكر چي، والأخرى ربما لأنك —في مواكبة للتيار الماركسي الأممي— تريد حشر الصين قسراً في معسكر الامبريالية بحيث يبدو مصير العالم وكأنه وقع بين قوتين امبرياليتين أحدهما بازغة في الشرق، وأخرى معهودة في الغرب، وأنه لا يوجد ثمة سبيل للخلاص. في الثلاث حالات هذي تكون قد أخطأت تقدير قيمة الكتاب البحثية بالأساس فهو حفر معرفي دقيقي في أدبيات الحزب الشيوعي الصيني وكتابات الرئيس الصيني چي شينبينغ تكشف عن توجه أيدولوجي حقيقي هو المحرك والدافع –بحسب الكتاب– لكل التغيرات السريعة في الصين على مدى أكثر من عقدين منذ تولي چي السلطة. هذة مجرد لمحة موجزة لما جاء في الكتاب، يستطيع بعدها أن يستمر أحدهم في الترديد ببلاهة بأن الصين دولة رأسمالية، أو أن يستوعب حقيقة واضحة وضوح الشمس، وهي أن الصين يقودها حزب شيوعي. يبقى أن الوجه الذي لا يقل بلاهة —عن الحديث عن رأسمالية الصين— هو تلقف النموذج الصيني بغير قراءة نقدية على أساس ماركسي وانطلاقاً من رؤية شيوعية.
(I) Roland Boer, Socialism with Chinese Characteristics: A Guide for Foreigners (Singapore: Springer, 2021), p. 274.
(II) Kevin Rudd, On Xi Jinping: How Xi’s Marxist Nationalism is Shaping China and the World (Oxford: Oxford University Press, 2024), p. 15.
(III) ibid, p. 14.
(IV) ibid, p. 35-36.
(V) ibid, p. 89-90.
(VI) ibid, p. 91.
اترك رد