لا يوجد نظام سياسي واحد في كل العالم وعلى مر العصور ممكن أن يحظى من إنسان (عاقل) بأكثر من دعم وتأييد نقدي على أفضل تقدير …. ممكن تأييد هذا النموذج السياسي بتوجهاته الاقتصادية (فقط وحصرياً في مقابل ذاك النموذج وتوجهاته الاقتصادية) مع الانتباه لعدم الوقوع في مغالطة (إما) / (أو) التي تكشف عن عجز في إمكانيات الإبداع والخيال السياسي … علينا أن ندرك أن الرفض المطلق للوضع الراهن لا يستتبع بالضرورة تأييد مطلق لنموذج جاهز هو ابن التاريخ، فلا هذا ولا ذاك ولا حتى النموذج السياسي الذي في خيال أي منا (الخاضع بدوره لحكم التاريخ لا أحكامنا الشخصية بمنطق التجربة والخطأ في صيرورة دائمة) يستحق من أي شخص "عاقل" أكثر من تأييد ودعم نقدي على اكثر تقدير
➖ كلمة السر في مفهوم العقل ومصطلح عاقل هي: النقد، وهي المشترك الدائم في عناوين كل كتابات كارل ماركس، والنقد موجه بالأساس ضد النموذج … لذا يُصِّر ماركس في تعقيب الطبعة الالمانية الثانية من كتابه {رأس المال: في نقد الاقتصاد السياسي} على السخرية من الوضعيين في فرنسا ممن يطلبون منه —وبحسب تعبيره أنك ستدهش من هكذا مطلب— أن يقدم نماذج كروشتات علاجية أو وصفات طعام جاهزة، فيقول:
أنا متهم بأنني "قصرت نفسي على مجرد تحليل نقدي للوقائع الفعلية عوضاً عن تدبيج وصفات (كونتية) لمطاعم المستقبل." (*)
هذا الاتهام يُقدِّم له ماركس بتعبير هو ذاته يعكس اندهاشه! في الترجمات العربية المختلفة بتعبيري (إحزر) أو (فلتخَّمِّنوا) بمنطق Guess What ! بينما قدم اندهاشه من طلب تقديم نموذج في التراجم الإنجليزية بتعبير تخيل، وتخيل ! imagine this
➖ الباعث على الدهشة، حقيقة، هو عجز من يطلب نموذج عن ٣ أمور دفعة واحدة:
(١) عجز عن القدرة على رؤية القصور في الوضع الراهن لضرورات الدفع باتجاه تطوير الممكن في هذا الكائن سواء بتغيير ثوري أو حتى إصلاحي، مع تخيل أن النقد بالضرورة يُشير إلى نموذج مثالي مُقدّس أكبر من أي نقد ممكن (كائن متعالي)
(٢) عجز عن القدرة على استيعاب فكرة أن كل الأنماط الاقتصادية أو النماذج السياسية في النهاية ليست سوى أنماط ونماذج "تاريخية" ولا تصمد أمام حركة التاريخ
(٣) عجز عن الإيمان بالذات التي تفقد ذاتها متى فقدت القدرة على النقد
(*) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي - المجلد الأول: عملية إنتاج رأس المال. ترجمة: فالح عبد الجبار (بيروت: دار الفارابي، ٢٠١٣)، ص ٣٥ [ف] ٢٥.
في ٣٠ مايو ٢٠٢٣ Facebook
اترك رد