بعد شهر من عملية طوفان الاقصى كتب أحد الأكاديميين العرب ما يمكن وصفه أنه كعب أخيل لا في الوثوق فقط بماركسيته المُدَّعاه، بل حتى في مفهوميته حيث تحدث عن الصراع مع الامبريالية بوصفه سياسي لا اقتصادي والهدف منه الهيمنة سياسياً— وكأنما هذا النوع من الهيمنة مطلوب لذاته وليس لتحقيق مكاسب مادية— في حديث يصور الصراع وكأنما هو صراع عرقي إثني أو عقائدي بين شمال وغرب فاجر من جهة، ضد جنوب وشرق ثائر، من جهة أخرى. في ذلك استفاض صاحبنا الهمام عن الجبهات المتعددة للمواجهة الثقافية منها والاقتصادية والسياسية والعقائدية بعدما ضرب مثال عن جوهر الاستعلاء الغربي في الامبريالية التي لا يصح اختزالها في أهداف أو شروط اقتصادية إلى آخر الكلام من التصورات الغير جدلية —وكأنما لا يوجد غرب في الشرق ولا شمال في الجنوب والعكس صحيح — مما تعتاد على سماعه أو قراءته من بعض المتمركسة العرب، لا سيما المُتَليّنة منهم والذين يشدون بترهات الفكر المابعد الكولينيالي ويخلطون تصورات مدرسة التبعية بالدفاع عن رأسمالية وطنية وعن أنظمة البرجوازية الصغيرة الحاكمة … هؤلاء، واقعاً، لا يؤمنون بأن تاريخ المجتمعات هو تاريخ الصراع الطبقي كما يقول البيان الشيوعي —إن كانوا قد اطلعوا عليه— وفي هذا الصراع وفي هذا التفاوت تكمن حركة المجتمع، بل وكل حركة التاريخ.
— حسناً، إليكم هذة النصوص لثيودور هيرتزل، مؤسس الحركة الصهيونبة، من كتابه الدولة اليهودية (I) ولنترك الحكم لكم في إدراك دور الوعي بالتفاوت الطبقي في فهم السياسة وأثر الشروط الاقتصادية على مجريات العمل السياسي وكيف يُدار، وكيف تدفع المصالح الطبقية في تضاربها وفي تفاوتها الفعل السياسي التاريخي. أما وأنه قد ورد في الأثر أن الشيطان يصدقك وهو كذوب، فيحق لنا أن نسأل بعد الاطلاع من الأصدق: هل هو هيرتزل أم الأكاديمي النَزِق؟
We shall not leave our old home until the new one is available. Those only will depart who are sure thereby to improve their lot; those who are now desperate will go first, after them the poor, next the well-to-do, and last of all the wealthy. Those who go first will raise themselves to a higher grade, on a level with that whose representatives will shortly follow. The exodus will thus at the same time be an ascent in class. [1] "لن نترك منزلنا القديم إلا بعد أن يتوفر منزلنا الجديد. فقط سيرحل أولئك الموقنين بأنهم بذلك يحسنون أوضاعهم. البائسون الآن سيذهبون أولاً، يليهم الفقراء، ثم ميسورو الحال، والأثرياء هم في آخر المطاف. سوف يرتقي أولئك الذاهبون أولاً إلى درجة أعلى، على ذات المستوى الذي سيلحق ممثليه بهم. ولذا سيكون "الخروج" هو تصعيد طبقي في آن واحد."
Rich Jews who are now obliged carefully to secrete their valuables, and to hold their dreary banquets behind lowered curtains, will be able to enjoy their possessions in peace, “over there." If they co-operate in carrying out this emigration scheme, their capital will be rehabilitated and will have served to promote an unexampled undertaking. [2] "اليهود الاثرياء الذين يضطروا اليوم لاخفاء مقتنياتهم الثمينة بعناية، وابقاء مآدبهم الموحشة خلف الستائر المنسدلة، سيكونوا قادرين على التمتع بممتلكاتهم "هناك" في سلام. فإذا تعاونوا في تنفيذ مخطط الهجرة هذا، فإنه سيجر إعادة توظيف رأسمالهم بعدما يكون قد دعم مسعى لا نظير له."
But even the poorest alone would suffice to found a State; these are the best men for taking a country into possession, for all great ventures must have an element of desperation in them. But when our “desperadoes” raise the value of the land by their labor, they make it increasingly attractive as a place of settlement for people with greater means. Higher and yet higher strata will become interested in moving. [3]
"إلا أنه الفقراء وحدهم يكفوا لإقامة دولة؛ هؤلاء هم أفضل الناس للاستحواذ على بلد بامتلاكه، ذلك أن المهام الكبرى يجب أن تحتوي بداخلها على عنصر اليأس. لكن حين يقوم مُعدمينا البائسين برفع قيمة الأرض جراء عملهم فيها، سيجعلون منها، شيئاً فشيئاً، مكاناً جذاباً لاستيطان الموسرين من الناس. طبقات أعلى وأعلى ستصبح مهتمة بالانتقال."
Let us ask our poor, who have been more severely proletarized since the last resurgence of antisemitism than ever before. Will some of our well-to-do say that the pressure is not yet severe enough to justify emigration … ? Will people say, again, that the venture is hopeless, because even if we obtain the land with sovereignty over it, the poor only will go along? It is precisely they whom we need at first! Only desperate men make good conquerors … The idea must make its way into the uttermost miserable holes where our people dwell. They will awaken from barren brooding. [4]
"فلنسأل الفقراء منا، من الذي جرى إخضاعه أكثر في طبقة العمال منذ البعث الأخير لمعاداة للسامية بأكثر من أي وقت مضى؟ هل سيقول بعض موسري الحال منا أن الضغط ليس بالشدة التي تكفي لتبرير الهجرة …؟ هل سيقول الناس، مجدداً، بأن المشروع هو بلا طائل لأنه حتى إذا ما حصلنا على الأرض والسيادة عليها، فإن الفقراء فقط من سيتجاوب معه؟ أنهم تحديداً أولئك هم من نحتاج إليهم في البداية!فقط الرجال المحبطين (بلا أمل) هم من يصنعوا غزاة مناسبين … يجب أن تَشُق الفكرة طريقها إلى أشد الجحور بؤساً وعوزاً حيث يقطن شعبنا فتوقظهم من سباتهم الكئيب الخامل." (II)
— الشاهد في الأمر أن هيرتزل، في كتابه التأسيسي هذا، وفي مذكراته على نحو واضح أيضاً، يقوم بتوظيف فهم طبقي للمجتمع اليهودي في أوروبا لإطلاق مشروع الهجرة الاستيطانية وتأسيس الدولة بحيث ينطلق من مقدمات وشروط اقتصادية حاسمه في اتخاذ القرار على المستوى الفردي ليتحقق أثرها في مشروع على مستوى جمعي —المشروع الذي لا تتوفر له أسباب البقاء المادية إلا بدوره الوظيفي في منظومة النهب العالمية. أو كما يقول فريدريك انجلز : "إننا نصنع تاريخنا بأنفسنا، لكننا نصنعه في المحل الأول في ظل مقدمات وشروط محددة جداً. ومن بين هذة المقدمات والشروط تكون الاقتصادية منها حاسمة" (III). اليوم، يخرج علينا البعض لدفن شروط الوجود كي نبقى محلقين في خبالات ميتافيزيقية في تصورنا لصراع لا يدفع أثمانه إلا الأبطال القابعين في أشد جحور العوز والبؤس الفلسطيني: في مخيمات اللاجئين في غزة والضفة الغربية والشتات. يستهدف مناضلي البرجوازية العربية إخفاء دور التفاوت والصراع الطبقي في تحريك الأحداث التاريخية فيعمدون إلى التمويه على العامل الاقتصادي، بل واخفائه إن أمكن كي يتسنى للسادة أن يبقوا، كما كان أجدادهم من قبل في مواقعهم الطبقية، سادة ازاء عبيد.
(I) الاقتباسات هنا جاءت من النسخة الانجليزية الواردة ضمن مختارات لأعمال هيرتزل في كتاب عن حياته صدر عام ١٩٥٥ بتقديم ديڤيد بن جوريون. [1] Theodor Herzl, “The Jewish State,” in Theodor Herzl :A Portrait for This Age. Ed. Ludwig Lewisohn (Cleveland: World Pub. Co. 1955), p. 244. [2] Ibid, p. 265. [3] Ibid, p. 282. [4] Ibid, p. 301-303. (II) هذة النصوص تجدونها بكتاب الدولة اليهودية بحسب ترتيب ورودها بالأعلى في الصفحات (ص. ٥٣، ٨٠ - ٨١، ١٠٠ - ١٠١، ١٢٤ - ١٢٦) من النسخة العربية الصادرة في القاهرة عام ٢٠٠٧ عن مكتبة الشروق الدولية بترجمة: محمد فاضل. مع ملاحظة أن مترجم الكتاب يعز عليه أحياناً استخدام كلمة طبقة وطبقي Class فيستبدلها بعبارات من عنده ! (III) فريدريك إنجلز، "رسالة الى ج. بلوخ في ٢١-٢٢ أيلول ١٨٩٠" في: مراسلات ماركس أنجلز، ترجمة: فؤاد أيوب (دمشق: دار دمشق للطباعة و النشر، ١٩٨١)، ص ٤٩٥ .
اترك رد