في الحتمية التاريخية: تعقيب على التعاقب❗️

فيما يخص المنشور المميز بعنوان (خرافات حول المادية التاريخية والحتمية التاريخية عند ماركس) 🔽، فإن السطور التالية كانت مناسبه لاستخراج بعض ملاحظاتي المدونة مسبقاً، إذ انتقيت منها ما قد يكون ذي صلة، كتعقيب مطول —رغم أنه قاصر— في هذا الشأن. يبدو من سياق نص المنشور أنه كان رداً —موفقاً وبحق— على رؤية حتمية مغلوطة لدى الكثير (ومنهم بعض المتمركسة) بخصوص ما كتبه ماركس عام ١٨٥٩ في مقدمته الشهيرة لكتاب إسهام في نقد الاقتصاد السياسي عن التعاقب التاريخي لأنماط الإنتاج، القديم المشاعي، الآسيوي، والإقطاعي، والرأسمالي، وهو ما يجدر معه بداية ان نستدعي ما قاله ماركس بهذا الصدد، في غير موضع. 
كتب ماركس في العام ١٨٧٧، رداً على أحد نقاده من الشعوبيين الروس في الحركة الناردونية– ن. ك. ميخالوڤيسكي— ساخراً من فهمه الساذج له وكأنه كان يقدم نظرية "فوق تاريخية" Supra-historical موضحاً أوجه قصور تصور ناقده في فهمه لإنتاجه العلمي الذي قاده الى النتيجة التالية:
"فلابد له بصورة مطلقة أن يُحوّل المجمل التاريخي الذي وضعته عن تكون الرأسمالية في أوروبا الغربية إلى نظرية تاريخية-فلسفية عن المسيرة العامة، المفروضة من القدر على كل الشعوب مهما تكن الظروف التاريخية التي تواجهها، كي تصل في آخر المطاف إلى هذا التشكل الاقتصادي [الرأسمالية]… لكني أستميحه عذراً (ذلك يعني منحي شرفاً عظيماً وإلحاق كثير من العار بي في وقت واحد
)" (I). ربما تكون علاقة ماركس بالفلسفة ونظرته إليها —في تقديري— خلف تلك العبارة الشهيرة في ختام هذي الفقرة عن اعطاءه الشرف العظيم مع إلحاق العار به في آن
He does me too much honor and too much shame at the same time
ففيما يخص الفلسفة، كان يرى ماركس بشأنها —كما كتب في مقدمته لنقد فلسفة الحق لهيجل— أنه فقط ضيق أُفق المرء "هو الذي يجعله لا يعتبر الفلسفة من ميدان الواقع …أو أن يذهب إلى افتراضها دون الممارسة" إلى أن يقرر "إنكم لا تستطيعون إلغاء الفلسفة إلا بتحقيقها" (II). في نظر ماركس، فإن الفلسفة شرف عظيم لمن يمارسها، لكنها أيضاً في الوقت ذاته وصمة عار لمن ينشغل بها غارقاً في تآملاته بعيداً عن فلسفة الممارسة المرتبطة بدراسة الواقع الفعلي. فإذا كان ناقد ماركس يُصّور نظريته وكأنها فلسفية، وفوق-تاريخية من جهة، بينما يعكف على نقدها باعتبار طرحها كدراسة تاريخية وعلمية من جهة أخرى، فهو يلحق بصاحبها الشرف والعار في آن!
إلّا أن الفلسفي في الفكر الماركسي هو التاريخي-العلمي في آن. لذلك تجد أنه في هذا السياق، حين قام بليخانوف —في مؤلفه الاشتراكية والنضال السياسي الذي كتبه بالعام ١٨٧٧— بالسخرية من ذلك الحتمي الذي "ينسب إلى ماركس الفكرة المضحكة بأن روسيا يجب أن تجتاز بالظبط نفس مراحل التطور التاريخي والاقتصادي التي اجتازها الغرب"، فإنه تطرق في ذات الوقت إلى كيف أن تصور ماركس "الفلسفي والتاريخي" يُمكنّه من أن يتناول "أوروبا الغربية كما يتناول اليونان وروما والهند ومصر [أي] أنه يتناول التاريخ البشري بأسره". استخلص بليخانوف تلك النتيجة بسلاسة بعدما أوضح ان "الفلسفي-التاريخي" هو قائم على أساس علمي يتمثل في دراسة ماركس العلمية التي ألقى الضوء فيها حصراً على نمط الإنتاج الرأسمالي والتي كان فيها "ماركس يستخدم تاريخ العلاقات الاقتصادية في أوروبا الغربية بهدف وحيد هو إيضاح تاريخ الإنتاج الرأسمالي الذي نشأ وتطور في هذا القسم من العالم"، موضحاً كيف أن ماركس وانجلز "لا تغيب عن أبصارهما الخصائص الاقتصادية لكل بلد على حدة، وهما يبحثان فيها وحدها عن تفسير لكل تطوره الاجتماعي والسياسي والفكري" (III). على هَدِّي من هذة الرؤية، بل وفي توافق تام معها وتفصيل لها، يقرر لينين —أيضاً في رده على ميخالوڤيسكي المذكور آنفاً، في زعم الأخير بأن النظرية الماركسية تدعي أنها "فسرت للإنسانية ماضيها"— أن النظرية المادية في التاريخ هي نظرية علمية لا تزعم تفسير كل شيء، ورغم انحصارها في تفسير التنظيم الرأسمالي للمجتمع وحده إلا أن الحال هو أنه على ضوء نتائجها في هذا الشأن يكون "من الطبيعي تماماً ألا تبقى المادية في حقل التاريخ فرضية، بل نظرية ثابتة علمياً؛ ومن الطبيعي تماماً أن تتسع ضرورة مثل هذة الطريقة وتشمل أيضاً سائر التشكيلات الاجتماعية، حتى وإن كانت لم تخضع للدراسة" (VI).
بالعودة إلى بليخانوف، نجد أنه تلمَّس فارقاً بين الرؤية الفلسفية-التاريخية لماركس من جهة، وبين الدراسة العلمية التاريخية التي أنجزها من جهة أخرى، بينما هو أيضاً لا يُنظر إليهما بوصفهما طرفي نقيض بل مكملان لبعضهما البعض. السبب في ذلك هو أنه كما يمكن للتجريد الفلسفي والتاريخي أن يكون فرضية قابلة للدحض تنطلق منها الدراسة العلمية، فهو أيضاً قابل للاستخلاص عملياً كنتيجة من هذة الدراسة، أو كما يقول ماركس وانجلز في الأيديولوجية الألمانية بأن الفلسفة تكف عن استقلالها الذاتي متى بدأنا في دراسة الواقع بحيث يمكن "أن نضع مكانها تركيباً للنتائج الأكثر عمومية التي يمكن تجريدها من دراسة تطور. البشر التاريخي. ولا تحمل هذة التجريدات أية قيمة على الإطلاق إذا ما أخذت بحد ذاتها، بمعزل عن التاريخ الفعلي. إن في مقدورها على الأكثر أن تخدم في تصنيف المادة التاريخية بمزيد من السهولة، وفي الدلالة على تعاقب تطابقاتها الخاصة. ولكن، خلافاً للفلسفة، لا تعطي هذة التجريدات في أي حال من الأحوال وصفة أو مخططاً يمكن تصنيف الحقب التاريخية على أساسها" (V).
إذن التجريد العلمي هو ضرورة يُقصد منها التصنيف لتيسير الفهم بحيث لا يحمل أية قيمة بالاستقلال عن الدراسة الفعلية من جهة، كما أنه ليس تخطيطاً فوق-تاريخياً، أي متجاوز للتاريخ الفعلي يُعطي كوصفة جاهزة حتمية لتعاقب المراحل التاريخية من جهة أخرى. فإذا كانت الرؤية الفلسفية التأملية فوق-التاريخية تستطيع أن تخرج بتعميمات —غير علمية— عن التاريخ ككل بحيث يسهل حينها لفكرة الحتمية، أو غيرها من المقولات كالطبيعة البشرية أو ما شابه، أن تطل برأسها كمحدد وحيد، فإن التحليل العلمي للمراحل والأشكال الاقتصادية-الاجتماعية الخاصة بكل حقبة تاريخية يستوجب استدعاء قوة التجريد الذي بطبيعته يطمس الكثير من الملامح الملموسة والمميزة للواقع الفعلي. والحال أنه لا يمكن دراسة أية حقبة تاريخية اجتماعية بمعزل عن حقيقة أنها تطور عن حقبات تاريخية اجتماعية سابقة وإلا كانت نتائج البحث أقرب إلى مسلمات ميتافيزيقية متعالية. وإذا كان ثمة قياس يمكن استخدامه هنا —مع عظم الفارق— فهو بالمقارنة مع ما أورده ماركس في مقدمة الطبعة الألمانية الأولى لكتاب رأس المال حين قرر أن "دراسة البدن، ككل عضوي، أسهل من دراسة خلية ذلك البدن. زِد على ذلك أن تحليل الأشكال الاقتصادية لا يمكن أن يستعين، لا بمجهر ولا بكشّاف كيميائي. فينبغي لقوة التجريد أن تقوم مقامهما" (VI). أنت إذا سحبت هذة المقولة —وأخرجتها من سياقها— على دراسة التاريخ تستطيع القول أن دراسة التاريخ البشري، ككل في تعاقبه (كتاريخ أفكار أو حضارات أو تطور تقني الخ)، لهو مستحيل من غير الانطلاق من دراسة كل مرحلة محددة منه على حدة كوحدة جزئية تُمثل تشكيلة اقتصادية-اجتماعية بما يستدعي معه -علمياً وعملياً- استخدام قوة التجريد (VII).
وحيث أن الحقبات التاريخية تخرج من رحم بعضها البعض، وحيث أن التشكيلات الاقتصادية-الاجتماعية تصطف في تراتبية هرمية من جهة التوالي التاريخي أو من جهة التطور المتفاوت بين المجتمعات في ذات الحقبة التاريخية، فإن قوة التجريد هي التي تُمكننا من الفهم الجدلي لعلاقة هذة الأجزاء، سواء في تناقضاتها الداخلية أو في تناقضاتها مع بعضها البعض وفي توالدها من بعضها البعض بحيث يمكن تمييز التغيرات داخلها والتمايزات بينها والتناقضات فيها (VIII). فإن لم تكن منطلقاً من فرضية فلسفية بل من واقع مادي راهن معاش، فتكون استخلاصاتك النظرية منطلقة من دراسة الراهن، أي الواقع المادي الرأسمالي، وهي استخلاصات قابلة للتعميم —فيما يخص الصراع الطبقي تطوراً وتمَّثلاً أيديولوجياً— على مجمل تاريخ هذا الصراع في تشكلاته الأبسط تعقيداً. في ذلك يقول ماركس "إن المجتمع البرجوازي هو التنظيم التاريخي للإنتاج الأكثر تطوراً وتعقيداً. والمقولات التي تعبر عن علاقاته، وتحيط ببنيته تسمح كذلك بالتأمل في بنية وعلاقات إنتاج كل التشكيلات الاجتماعية المنقرضة التي بنى هذا المجتمع نفسه على أنقاضها وعناصرها، والتي لا تزال بقاياه التي لم تتم السيطرة الكلية عليها بعد فاعله في داخله، والتي تركت ظلالها الخفيفة بصمات عميقة في داخله … الخ. إن التشريح البشري يزودنا بمفاتيح تشريح القرد" (IX).
فقط على ضوء جماع هذا الفهم تستطيع أن تقرأ عبارة ماركس الشهيرة في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي مثار اللبس التي تقول: "ويمكن، بشكل عام، اعتبار أساليب الإنتاج؛ الآسيوي، والقديم، والإقطاعي، والبورجوازي الحديث، في خطوط عامة كمراحل متعاقبة للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية، وأن أسلوب الإنتاج البرجوازي هو آخر شكل لتناقض عملية الإنتاج الاجتماعي." (X) الملاحظ في هذة العبارة التركيز على العمومية: "بشكل عام … خطوط عامة" لأنها ليست سوى تجريدات تُمثل —كما سبق وقرر مع انجلز في نص الايديولوجية الالمانية المُقتبس بعاليه— بدورها: "تركيباً للنتائج الأكثر عمومية التي يمكن تجريدها من دراسة تطور البشر التاريخي." وفي الواقع، اذا استثنينا سوء النية وسوء الفهم، فلا يوجد في النص ثمة ما يستدعي أي التباس إذ أنه لا شك أننا نعيش اليوم في مرحلة رأسمالية لكنها لا تخلو لا من بقايا عبودية مباشرة ولا من ملامح علاقات الإنتاج الإقطاعية ولا من البصمات الأيديولوجية لتلك العلاقات كبقايا من ترسبات الأمس، كما شهدت حقبتنا التاريخية الرأسمالية الراهنة أيضاً، وتشهد، محاولات اشتراكية هي من ملامح المستقبل. أكثر من ذلك، لا يوجد ما يمنع أن تكون النظرية قد قدمت تفسير هو الأكثر واقعية لتطور مجمل التاريخ الإنساني مؤسس على فهم احتياجات البشر وعلاقاتهم المادية مع بعضهم البعض فيما يخص طريقة إنتاجهم وإعادة إنتاجهم لشروط حياتهم. لكنه في النهاية ليس تفسيراً تأملياً فلسفياً بل هو مبني على دراسة مادية لمعطيات الواقع ليكون التصور الفلسفي الذي تقدمه النظرية أقرب ما يكون إلى التطور التاريخي الفعلي.
ختاماً، أنت حقيقة لن تفهم أ. ب. ماركسية إن فصلت الفلسفي-الجدلي عن المادي-العلمي في ماركس، أو فصلت كليهما عن النقدي والثوري في النظرية لأن الجدل قائم في صلبه على الوصل بين المكونات لا الفصل بينها: فكما أن الثورة نقد، والنقد ثورة، فكل منهما هو أيضاً علم، والأخير لا ينفصل عن رؤية فلسفية لدوره هي جزء من رؤية للعالم وللتاريخ. فأنت إن فعلت ذلك —ككثير من المفكرين والباحثين الاقتصاديين أو المؤرخين أو علماء الاجتماع أو الفلاسفة الماركسيين— بوصفك ماركسياً كما تزعم، فقد تنال شرف هذا الزعم، لكنه "حتماً" سيلحق بك، وفي ذات اللحظة، عار عدم الفهم!




‏(I) كارل ماركس، "إلى هيئة تحرير حوليات وطن" (تشرين ثاني - نوڤمبر ١٨٧٧)، في: مراسلات ماركس أنجلز، ترجمة: فؤاد أيوب (دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر، ١٩٨١)، ص ٣٧١.
‏(II) كارل ماركس، إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيجل - مقدمة، ترجمة: هيثم مناع (كولن: منشورات الجمل، ١٩٨٦)، ص ٩.
‏(III) جيورجي بليخانوف، "الاشتراكية والنضال السياسي" (١٨٨٣)، في المؤلفات الفلسفية - المجلد الأول، ترجمة: فؤاد أيوب (دمشق، دار دمشق للطباعة والنشر، ١٩٨٠)، ص ٢٢.
‏(IV) ف. إ. لينين، "من هم 'أصدقاء الشعب' وكيف يحاربون الاشتراكيين-الديمقراطيين؟" (١٨٩٤) في: لينين: المختارات في عشرة مجلدات - المجلد الأول (١٨٩٤-١٩٠١)، ترجمة: إلياس شاهين (موسكو: دار التقدم، ١٩٧٨)، ص ٥٤.
‏(V) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيدولوجية الألمانية، ترجمة: فؤاد أيوب (بيروت: دار الفارابي، ٢٠١٦)، ص ٣٩.
‏(VI) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي - المجلد الأول: عملية إنتاج رأس المال. ترجمة: فالح عبد الجبار (بيروت: دار الفارابي، ٢٠١٣)، ص ١٦ — ف. ١٢.
‏(VII) أُقر بأن في هذا القياس مجازفة مني، لا سيما أنه لم يتطرق للعلاقة بين التجريد والملموس في الفلسفة الجدلية وهو حديث يطول شرحه، ولا أزعم امتلاكي ناصيته.
‏(VIII) في ذلك كتب البروفيسور بيرتل أولمان
Using the force of abstraction … is Marx's way of putting dialectics to work. It is the living dialectic, its process of becoming, the engine that sets other parts of his method into motion … The relations of contradiction, identity, law, et cetera, that they study have all been constructed, made visible, ordered, and brought into focus through prior abstractions.
"إن استخدام قوة التجريد … هو أسلوب ماركس في تفعيل الديالكتيك. إنه الديالكتيك الحي، عملية صيرورته، المُحرِّك الذي يُحرك أجزاءً أخرى من منهجه … فعلاقات التناقض والهوية والقانون، وما إلى ذلك، التي يدرسونها، جميعها بُنيت، وأُبرزت، ورُتبت، ورُكزت من خلال تجريدات سابقة."
Bertell Ollman, Dance of the Dialectic: Steps in Marx's Method (Urbana: University of Illinois Press, 2003), p. 111.
‏(IX) كارل ماركس. الغروندريسة: أسس نقد الاقتصاد السياسي - (١) في النقود. ترجمة: عصام الخفاجي (بيروت: دار ابن خلدون، ١٩٨٤)، ص ١٣١.
‏(X) كارل ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة: مروان صَقَّال (دمشق: دار الطليعة الجديدة، ٢٠٢٠)، ص ٣٣.
منشور Facebook
بتاريخ ٧ يوليو ٢٠٢٥


by

Tags:

Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من عربي ابن آدم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة