
— في كتابه الصادر عام ٢٠١٦ بعنوانه المطول (الشيوعية الجديدة: علم، استراتيجية، قيادة ثورة فعلية، ومجتمع راديكالي جديد في الطريق لتحرر حقيقي)، يقدم الأمريكي بوب أڤاكيان —مؤسس الحزب الثوري الشيوعي RCP، وهو ماوي التوجه— في الفصل الأول تحت مبحث [نظرية المعرفة والأخلاق؛ الحقيقة الموضوعية وهراء النسبية] رؤية لا تخلو من طرافة بالاشارة الى ما بات يُعرف باسم اليسار الجديد المابعد حداثي — والذي كان قد انتشر لفترة، ولازال لحد ما، في الأكاديميا الامريكية — إذ كتب يقول: "الآن، من بين كل الأكاديميا، لعل الجامعة التي يجب أن تُعطى الجائزة، كونها مركز هراء نسبية سياسات الهوية، هي جامعة كالفورنيا: سانت كروز. إنها متخصصه في سياسات الهوية، هراء النسبية. ومن المثير للاهتمام اختيارها لتميمة رخوية/يرقة الموز. كما أشار أحدهم، هذة أيقونة مثالية، تميمة متقنة، تمثيل دقيق لسياسات الهوية في جامعة كالفورنيا: سانت كروز، لأن رخوية/يرقة الموز يكاد لا يكون لها ماهية/جوهر، ولا أساس/عمود فقري" [ I ].
إذا كانت هذة الرخوية أو اليرقة بلا عماد محدد أو عمود فقري، فهذة الأيقونة ليست عديمة الرؤية، بل قاصرة الرؤية Myopic بشكل قصدي، أو أن بوصلتها شديدة الوضوح بطريق النفي: من بين كل التناقضات القائمة فعلياً في ذاتها، يجري بروزة سياسات الهوية وتصديرها للمشهد لا لذاتها ولكن للتعمية على التناقض الرئيس الذي هو التناقض الطبقي. ماركس وانجلز لم ينتقيا اعتباطاً أحد التناقضات من متعدد التي تزخر بها المجتمعات ليكون هو "التناقض" بوصفه المحرك التاريخي لحياة أي مجتمع: يُقرر أول سطر في البيان الشيوعي، أنه منذ نشأ المجتمع البشري، فإنه "ليس تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا سوى تاريخ صراع الطبقات." [ II ]. ماذا يعني ذلك فيما يخص اشكال الصراعات الأخرى المؤسسة على تناقضات غير طبقية وهمية كانت أو حقيقية؟
— باختصار، هذا ليس نفي لأية تناقضات غير طبقية، عرقية كانت أو جندرية، أو قومية، أو دينية، الخ… انما يعني تحديداً انه لا يمكن فهم ديالكتيك حركة التاريخ للمجتمعات بدون فهم التناقض الرئيسي الذي هو التناقض الطبقي بوصفه المحرك الأساسي للفعل السياسي كصراع في داخل الطبقة ذاتها، وكصراع طبقي داخل المجتمع ككل، وكصراع عابر للمجتمعات المحلية أيضاً. كيف لا يكون الأمر كذلك لدى ماركس وانجلز، أي الإقرار بكافه أوجه الصراعات بين كل المتناقضات الثانوية، إذ يُقرر الأخير –في كتابه عن أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة— باقتباس عن الأول قوله: "وتحتوي العائلة في داخلها على كل الصراع الذي تطور بعد ذلك على نطاق أوسع في المجتمع والدولة." [ III ]. هنا تكمن عبقرية هيجل التي تأسست عليها ثورية فكر كارل ماركس، فالوقوف على التناقض هو المبتدأ في التحليل لدى ماركس، لا بوصفه تناقض يعكس الحقيقة ولكن بوصفه تناقض حقيقي قائم يفعل فعله في الواقع، بل ويرفع من قيمة تناقضات أخرى ويحط من قدر بعضها بحسب ما يخدم ذلك ديناميكية الصراع الطبقي. إن الانطلاق من هذا التناقض الطبقي حصراً لا يمثل فقط وعياً بهذا التناقض، وإيماناً بقدرتة التفسيرية كلية الجبروت (بحسب تعبير لينين)، ولكن أيضاً بوصف هذا الوعي هو فعل في حد ذاته، كونه أحد العوامل المحفزة لبروز التناقض الطبقي في الوعي الجمعي: مرة أخرى، لا بوصفه التناقض الحقيقي الوحيد، لكن بوصفه المحرك التاريخي الأساس.
— إن هيجل، وبحسب تعبير أحد أشهر شراحه W. T. Stace، هو الذي يقدم مبدأ العقل ليس بوصفه معبراً "عن وجهة نظر أخرى" تناقض مستوى الفهم الذي هو "وجهة نظر معينة"، بل باعتبار أن "العقل يشتمل على الفهم ويتخطاه لأنه يعترف تماماً بالاتحادات والاختلافات التي يؤكدها الفهم، لكنه يرى أبعد من ذلك." [ IV ]. فإذا كان فهم ما يُشير الى الكثرة مثلاً مُعتقداً بأن "الاختلاف هو وحده الحقيقي في حين أن الهوية وهم"؛ أو قانون التناقض الأرسطي الممثل بـ [ (أ) ليست (لا أ) ]؛ بينما كان فهماً أخراً يرَ أن "الهوية هي وحدها الحقيقة وأن الاختلاف وهم" أو بتعبير آخر "إن الواحد هو وحدة الموجود أما الكثرة والفروق بين الأشياء فهي مايا Maya أي وهم"، بمعنى قانون الهوية الأرسطي المُعبر عنه بالـ هو هو، أو [ (أ) هي (أ) ] ؛ فإن هاتين الصيغتين معاً ليستا سوى "عمل من أعمال الفهم. أما المبدأ الهيجلي فهو يجمع أنصاف الحقائق هذة في الحقيقة كلها التي تقول إن الاختلاف والهوية كلاهما حقيقي سواء بسواء وأن ما هو مختلف هو أيضاً متحد [ (أ) = (لا أ) ]. وهذا هو مبدأ العقل، مبدأ هوية الأضداد … أنه لا يعارض مباديء الفهم وإنما هو يحتويها في داخله، لكنه يعارض فقط أحادية الجانب في الفهم." [ V ].
— كلمة السر في كل ذلك هو فكرة جمع "أنصاف الحقائق هذة في الحقيقة كلها"، لذلك كان غرامشي يرى أن هيجل تحديداً يُمثل في فكره "فصلاً قائماً في تاريخ الفكر الفلسفي. لأننا في مذهبه، حتى وإن اتخذ شكل 'الخيال الفلسفي Philosophical Romance'، نستطيع أن نفهم ماهية الحقيقة. أي أننا نجد في مذهب واحد، ولدى فيلسوف واحد ذلك الوعي بالتناقضات التي سبق واكتسبناها من كل المذاهب والفلاسفة في سجالهم وتضارب آرائهم." [ VI ]. لذلك، فالماركسية بحسب غرامشي هي "إصلاح للهيجلية وتطوير لها" كونها كفلسفة ممارسة "تحررت (أو تحاول التحرر) من أية عناصر أيديولوجية متعصبة، أو أحادية النظرة. إنها وعي مفعم بالتناقضات يُمكّن الفيلسوف ذاته كفرد وكجماعة إجتماعية بأكملها من فهم هذة التناقضات، بل واعتبار نفسه أحد عواملها، والارتفاع بهذا الوعي الى مستوى المبدأ. مبدأ للمعرفة ومن ثم للفعل." [ VII ]. على ذلك، فالماركسي يجب أن يُجسد هذا الوعي المفعم بالتناقضات ليتمكن من فهم هذة التناقضات في سياقها التاريخي، والمعرفة هنا تقوم بدورها في ربط جميع هذة التناقضات جدلياً بقوانين التاريخ وبرؤية أرقى للعالم يتمكن معها من صياغتها بشكل متسق وبشكل علمي. لذلك لا يكفي ان تعرف ان الحياة زاخرة بالتناقضات، فتكون على مسافة من الجزء من موضع الكلي أو زاوية "الحقيقة"، ولا يكفي أن تعرف أن التناقض الطبقي هو المحرك التاريخي الأساس — وهذا أمر بات معروف من علم التاريخ بالضرورة— لكن يجب ان تغرس نفسك في هذا التناقض بأن تُصبح أحد عوامله فترتفع بوعيك من مستوى المبدأ لمستوى الممارسة. لكننا إذا عدنا الى هذا اليسار الجديد، الذي يرى في التناقضات الغير الطبقية حصراً سبيل للوقوف على "التناقض" الُمحدد للهوية. كيف يبدو لدى البعض راديكالياً ؟! يكمن ذلك في مواجهته لعلاقات اجتماعية تقليدية تبدو أمامه وكأنها قد شاخت أمام هذا الجديد الذي يفرض نفسه حتى وإن أطل برأسه من أحشاء الماضي، إذ يبقى جديداً في وجه العلاقات القائمة في اللحظة الراهنة والتي ترسخت منذ زمن مع حركة التاريخ.
— يُلقي البيان الشيوعي الضوء على تميز الحقبة البرجوازية عن سائر ما سبقها من حقب فيما يخص التطوير الثوري الدائم لأدوات الإنتاج وعلاقاته، ومن ثم سائر مجموع العلاقات الاجتماعية بما يصاحب هذا التثوير من قلق واضطراب متجددين يستتبع بالضرورة مواجهة حقيقة أن "كُلًّ العلاقاتِ الاجتماعية التقليدية والباهتة تتفسخْ ومعها تتفسخُ مواكب تصوراتها وأفكارها العَتيقة الوقورة؛ وكُلُّ ما كانَ مكيناً ومستقراً يتطايرُ هباءً منثوراً، وكُلُّ ما كانَ مُقدسَّاً يغدو مُدنساً، وأخيراً يضطّْر الناس إلى فحصِّ شروط حياتهم وعلاقاتهم المتبادلة بأعينٍ صاحية" [ VIII ].
هذا النص تحديداً، يقتبسه الفيلسوف والمُنَّظِّر الثقافي السلوڤيني سلاڤوي چيچيك في مقال له صدر مؤخراً —يسخر فيه من سياسات الهوية واليسار الجديد في إطار نقده لليمين في الغرب مجسداً في جوردون بيترسون— إذ يقرر في تحليله للصعود الفاشي الراهن أنه أحد وجهي عملة رديئة للنظام الرأسمالي وجهها الآخر هو الليبرالية المتدثرة برداء اليسار الجديد فيقول في الاقتباس التالي:
"لا شكَّ أن مثل هؤلاء “اليساريين” خرفان في إهاب الذئاب، يوهمون أنفسه بأنّهم ثوريون راديكاليون وهُمْ يدافعون عن المؤسسة الحاكمة. ولقد بلغ، اليوم، ذوبان العلاقات والأشكال الاجتماعية ما قبل الحديثة وتحوّلها إلى أثير، أبعد بكثير ممّا كان يمكن لماركس أن يتخيّل. وتغدو أوجه الهويّة البشرية برمّتها الآن مسألةَ اختيار، وتصبحُ الطبيعة موضوعَ تلاعب تكنولوجي أكثر فأكثر. هكذا تغدو “الحرب الأهليّة” التي يراها بيترسون في الغرب المتطوّر سرابًا، صراعًا بين طبعتين من النظام الرأسمالي العالمي الواحد ذاته: فردانيّة ليبرالية منفلتة في مواجهة نزعة محافظة فاشية جديدة، تسعى إلى توحيد الديناميّة الرأسمالية والقيم وضروب التراتب الهرمي التقليدية. ثمّة مفارقةٌ مزدوجة هنا. إذ أزاحت الصوابية السياسية (“اليقظة”) الصراعَ الطبقيَّ، وأسفرت عن نخبة ليبراليّة تزعم أنّها تحمي الأقليّات العرقيّة والجنسية كي تصرف الانتباه عن نفوذ أعضائها الاقتصادي والسياسي. وتتيح هذه الكذبة لشعبويي اليمين البديل، في الوقت ذاته، أن يقدّموا أنفسهم كمدافعين عن الشعب “الحقيقي” إزاء نخب الشركات و”الدولة العميقة”، حتى ولو كان هؤلاء الشعبويون، بدورهم، يحتلّون مناصب قيادية رفيعة في السلطة الاقتصادية والسياسية. في النهاية، يتصارع الطرفان على غنائم نظام هما متورطَين فيه حتى النخاع. ولا يقف أيٌّ منهما إلى جانب المُستَغَلين وليس لأيّ منهما أيَّ مصلحةٍ في تضامن الطبقة العاملة. وفحوى ذلك ليس أنّ “اليسار” و”اليمين” مفهومين باليَين – كما بتنا نسمع كثيرًا – بل أنّ حروب الثقافة أزاحت الصراع الطبقي باعتباره محرّكًا للسياسة." [ IX ].
—على ضوء من فهم فلسفة هيجل بوصفها مؤسسة على فكرة التناقضات الزاخرة في كل موضع والتي تنخر كل شيء وتحيله في حركته الدائمة الى زوال، يمكننا فهم فلسفة اليسار الجديد بتعمدها توجيه النظر لكل التناقضات على المستوى القطري ماعدا التناقض الطبقي. لذلك (يبدو) هذا اليسار ثورياً وتحررياً بتعميق الوعي بمشكلات سياسات الهوية، فيحقق لها مكتسبات قانونية تبدو على الرغم من رغبة الأغلبية، ثم لا تلبث تلك الأقليات أن تحدق في واقعها الفعلي لتكتشف انها واقعياً لم تكن يوماً سوى ضمن "الأغلبية" التي لا زالت محكومة من "الأقلية" الفعلية الحقيقية "البرجوازية". من هنا يصبح التركيز على سياسات الهوية عائق أمام تقدم الوعي الطبقي.
— إن رؤيتنا للواقع، يقول لنا التفكيكي المابعد حداثي المُغرق في الذاتية والفردانية، تعتمد على زاوية النظر بما قد تُنسف معه حقيقة وجود واقع موضوعي. المشكلة، يحق للماركسي أن يرد، ليست في أن الواقع لا يمكن مقاربته إلا بمزيد من الاسألة —لأن كل جواب لا يمكن إلا أن يُمثل أنصاف حقائق— فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن أغلب البشر لا تمتلك هذة الرفاهية. فالواقع نفسه يسئلنا في كل لحظة وفي كل حين، بغض النظر عن لون بشرتنا أو الجنس أو الإثنية التي ننتمي إليها. لزاماً علينا، إذن، تقديم إجابات محددة هي بمثابة انحيازات في مقابل تلك الاسئلة اليومية التي تلاحق معظمنا —كذوات فردية من جهة، وكمجتمع هو جزء من منظومة مجتمعية عالمية من جهة أخرى — والتي يفرضها علينا الواقع، وهي أسئلة مُلِّحة تتعلق بشروط الوجود وتأمين شروط الحياة من حيث هي حياة قبل رفاهية التأمل الفلسفي أو التنظير المعرفي. الجواب على إلحاح سؤال الواقع لكل منا كأفراد ومجتمعات لا يمكن ان يكون عملي وعلمي إلا إذا فهمنا الواقع كما هو: بوصفه ابناً للتاريخ وحاضنة للمستقبل. لذلك فالماركسي تقدمي بالضرورة، وانتماؤه للمستقبل ليس من موقع التنظير المتأمل ولكن من موقع الفاعل. هنا يجب الإشارة الى مفارقة لا تخلو من سخرية. إن الوصف بالأعلى لليسار الجديد —في كشف لوهم راديكاليتهم— بأنهم "خرفان في إهاب الذئاب"، قد خطه قلم يوصف صاحبه سلاڤوي چيچيك بأنه هو نفسه "ذئب في إهاب مُهرج".
A wolf in clown’s clothing
— هذا هو عنوان مقال يفضح زيف مواقف چيچيك المنتصرة للامبريالية الغربية (في حرب روسيا—الناتو) تحت وهم الحفاظ على الهوية الأوروبية في مقابل كلٍّ من الهيمنة الامبراطورية الامريكية من جهة، والتغول الروسي من جهة أخرى: إذ تخدم خزعبلات چيچيك بحسب المقال — والتي لا تخلو من مركزية أوروبية — فقط الامبراطورية الامريكية مُجَّسَّدة بحلف الناتو [ X ]. إن هذا 'المهرج' يجري تعريفه في صدر المقال بالنجم المُحتفى به "في أوساط أكاديمية بعينها وفي دوائر يسارية زائفة"
Slavoj Žižek, a celebrity in certain academic and pseudo-left circles [ XI ].
وصف چيچيك بالمُهرج هو توصيف دقيق له بوصفه حكم قيمي صادر عمّا يُعرفّه المفكر 'الماركسي' الكبير سمير أمين بمصطلح "الماركسية الكفاحية" في مقابل ما بات يُعرف باسم "الماركسية الأكاديمية"، وهو بدوره مصطلح أشار إليه أمين في تمييز له عن المصطلح الأول. إذاً، يمكن القول أن چيچيك —بحسب الماركسية الكفاحية— هو مهرج كبير قد تحتفي به بعض أوساط الماركسية الأكاديمية. انت تجد أصل للتفرقة بين هذين المصطلحين عند سمير أمين حينما كتب يؤصل فكرياً لما بات يُعرف بنمط الإنتاج الخراجي، إذ يوضح بداية التناقض بين موقف كل من هذين التقليدين فيما يخص توصيف نمط الانتاج الاقطاعي: هل هو مرتبط بسائر المجتمعات الاقل تقدماً كما يذهب لذلك التقليد الأول (الماركسية الكفاحية)؛ أم هو خاص فقط بأوروبا كما يزعم التقليد الثاني (الماركسية الأكاديمية) [ XII ] ؟!
— تكمن عبقرية سمير أمين في رفضه المصادقة بالمجمل على أياً من التقليدين بوصف أي منهما تقليد ماركسي بالأساس، إذ يقرر أن أياً من تقليدي "الماركسية الأكاديمية" و"الماركسية الكفاحية" يستطيع "أن يدعي الانتماء الى ماركس والانتساب اليه فيما لو قدر للمسألة أن تُحل بالرجوع الى الماركسيولوجيا لا إلى الماركسية"! [ XIII ]. بتعبير آخر: فيما يخص "الحقيقة الماركسية" إذا جاز التعبير، فلا يعكس أياً من هذين التقليدين إلا أنصاف الحقائق، صورة من صور الفهم لا العقل بحسب هيجل، وهو بذلك رخوي بقدر رخوية يرقة الموز، ناهيك عن العمى الغير جدلي المقصود أيضاً. رخوي كونه قابل لأن يتشكل، من جهة، بحسب الأهواء القومية في خدمة برجوازيات قطرية بعينها من الصين إلى فنزويلا؛ أو، من جهة أخرى، بحسب الأطماع الامبريالية في خدمة المنظومة الرأسمالية العالمية من لندن إلى جوهانسبرج.
فهل من ماهية/جوهر، أو أساس/عمود فقري يقي الماركسية مصير يرقة الموز ؟! هذا مقام حديث آخر …
ختاماً، ليس في إدانة سمير أمين إذن للماركسية الكفاحية ووضعها على قدم المساواة مع الماركسية الأكاديمية —في زعم كل منهما الانتساب لماركس بينما لا يتعدى أي منهما الماركسيولوجيا [ XIV ]— أية تبرئة للمُهرج الفيلسوف بذات القدر الذي لا تحمل فيه إدانة چيچيك أية تبرئة لتهريج اليسار الجديد.
[ I ] Now, out of all of academia, perhaps the university that should be given the prize as being the center of relativist identity politics bullshit is the University of California, Santa Cruz. It specializes in identity politics, relativist bullshit. And it’s interesting that it’s chosen as its mascot the banana slug—the Santa Cruz Banana Slugs. As somebody pointed out, that’s a perfect icon, a perfect mascot, a perfect representative of the identity politics of UC Santa Cruz, because a banana slug has almost no substance and no backbone. Bob Avakian, “The New Communism: The Science, the Strategy, the Leadership for an Actual Revolution, and a Radically New Society on the Road to Real Emancipation,”(Chicago: Chicago Insight Press, 2016), p. 50.
[ II ] كارل ماركس و فريدريك انجلز، "البيان الشيوعي،" ترجمة: العفيف الأخضر (بيروت – بغداد: منشورات الجمل، ٢٠١٥)، ص ٤٥.
[ III ] فريدريك انجلز، "أصل نظام الأسرة والدولة والملكية الفردية،" ترجمة: أحمد عز العرب (١٩٥٧، إعادة طبع [أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة]، مؤسسة هنداوي: وندسور؛ المملكة المتحدة، ٢٠٢٠)، ص ٣٨.
[ IV ] ولتر ستيس، "فلسفة هيجل: المجلد الأول - المنطق و فلسفة الطبيعة،" ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام (بيروت: دار التنوير، ط ٣، ٢٠٠٧)، ص ١١١.
[ V ] المرجع السابق.
[ VI ] أنطونيو جرامشي، كراسات السجن، ترجمة: عادل غنيم (القاهرة: دار المستقبل العربي، ١٩٩٤)، ص ٤٢١.
[ VII ] المرجع السابق.
[ VIII ] البيان الشيوعي، مرجع سابق [ II ] ص ٦٣.
[ IX ] سلافوي جيجيك، "ما يتقاسمه اليسار 'اليقظ' واليمين البديل،" ترجمة مهيار ديب (موقع أوان، ١٠ أغسطس ٢٠٢٢) [WebPage]
[ X ] Emanuele Saccarelli, “A wolf in clown’s clothing: Philosopher Slavoj Žižek pens shameful pro-imperialist op-eds in the Guardian,” (World Socialist Web Site WSWS, 15 July 2022) [WebPage]
[ XI ] المرجع السابق.
[ XII ] سمير أمين، "الطبقة والأمّة: في التاريخ وفي المرحلة الامبريالية،" ترجمة: هنرييت عبّودي (بيروت: دار الطليعة، ١٩٨٠)، ص ٤٢.
[ XIII ] المرجع السابق، ص ٤٣.
[ XIV ] بحسب معجم الماركسية النقدي، فإن "الماركسيولوجي ليس بالضرورة ماركسياً، والعكس صحيح." فالماركسي يُفترض بها كلمة تعني العودة الى "مساهمة ماركس على وجه الخصوص وذلك تمييزاً لها من مساهمة إنجلز، وما هو لـ لينين أو لينيني، وما هو لستالين أو ستاليني، إلخ.". وعلى مافي هذا التعريف من تحفظات —تحديداً فيما يخص إخراج دراسة انجلز من تعبير الماركسي وحصره فقط بالعودة الى كارل ماركس— إلا أنه يتفق تماماً مع مقصد سمير أمين: أية ماركسية "أكاديمية" كانت أو "كفاحية" ليست سوى ماركسيولوجيا ما لم نعود الى كارل ماركس نفسه (وبالضرورة فريدريك انجلز كمؤسس رئيسي للماركسية): راجع في ذلك: جورج لابيكا، "ماركسية - ترجمة: محمد إدريس،" في جيرار بن سوسان و جورج لابيكا، معجم الماركسية النقدي، ترجمة جماعية (بيروت: دار الفارابي، ٢٠٠٣)، ص ١١٥٠.
منشور Facebook في ٢٠٢٣
اترك رد