ما بين الوعد التوراتي والوعد الحق: في مأزق الدين السياسي

بمتابعة من يتحدث عن مسرحية إيرانية الخ الخ تجد مأزق الإسلام السياسي في أبهى تجلياته كصورة مصغرة لمأزق الدين السياسي بصفة عامة… 
➖ من جهة، فإن الاسلام السياسي السني متورط أمام عجز فاضح لخليفة الناتو في تركيا، السيد أردوغان، ولا يستطيع تصدير خطاب مقاوم يتماهى مع أدبياته بشكل خالص بسبب من واقع أن جبهة الإسناد تتمثل في الحقيقة في الاسلام السياسي الشيعي من اليمن إلى العراق إلى جنوب لبنان، فضلاً عن أن الفصيل الأبرز فلسطينياً اليوم في المقاومة (الأحدث تاريخياً باللحاق في ركب النضال على أي حال والذي يرفع لواء ايديولوجية اسلام سياسي سني) لا وجود فاعل له بدون دعم من طهران … حين كان هذا الفصيل صادق مع أدبياته، التي تميزه عن باقي الفصائل الفلسطينية، انخرط في حرب محاور إقليمية بعد "الربيع العربي" حتى كاد يفقد البوصلة التي يُفترض أنها تُشير نحو القدس وكاد يصبح جزء من محور ممتد من الدوحة حتى واشنطن… المطلوب من وجهة نظر أصحاب نظرية الخلافة كعصر ذهبي مُتَخيل أن يبدو النضال حكراً على من يستطيع الجمع في الترضي سوياً على علي وعائشة❗️ هكذا يتوارى الجمل تحت السقيفة وتذوب ملامح كربلاء وصفين ولا يبقى من التاريخ سوى القسطنطينية مع القادسية وحطين … ما دون ذلك ليس سوى وهم، وسواء كان النضال من جهة شيعية أو جبهة شعبية أو حركات فلسطينية وعربية علمانية أو من أنظمة علمانية قومية فكل ذلك لديهم هراء، فالنضال لم يبدأ بحسب هذا العمى التاريخي إلا بفتوى صدرت على مقاس لحية سُنيّة: هذا هو الواقع (بزعمهم الطائفي) وغير ذلك مسرحيات.
➖ من جهة ثانية، فالإسلام السياسي الشيعي، وبعد عقود من توظيفه في إيران في ضرب القوى التقدمية، خرج إلى العالم بعد الثورة الإيرانية في خطاب تصدي للامبريالية، ولم يقفز هذا الدور الممانع إلى الواجهة في المنطقة إلا بعد تحول العالم الى نظام القطب الأوحد وتغير سياسيات إقليمية بعينها وتقويض الأنظمة القومية. شيئاً فشيئاً ومع بدايات تشكل ملامح تعاون استراتيجي دولي لجبهة رفض للهيمنة الامريكية خرجت من أحشاء النظام الدولي (لا للخروج عليه ولكن لتحسين شروط التواجد فيه) وتمتد من بكين إلى فنزويلا مروراً بموسكو، قامت طهران بكثير من خبرة الدولة الفارسية العريقة بترسيخ تواجدها في عواصم عربية لم يبق من عروبتها إلا الاسم، إلا أنه برفعها لواء المواجهة على بوصله تتجه حصراً نحو القدس أضحت هذة الفصائل والقوى المرتبطة بطهران أكثر عروبة في انتمائها من كل عواصم العالم العربي من أبو ظبي حتى الرباط. هنا، وفي هذة اللحظة تحديداً التي تختفي فيها الهوية الدينية تحت شعار النضال الذي يجمع المسيحي بالمسلم، السني بالشيعي، والملحد بالمؤمن، يخرج الكارت الطائفي على شاكلة أبو يعرب المرزوقي وأشباهه مذكراً طهران بأنه إذا كان اليهود مغضوب عليهم فإن المجوس أعداء الله وان الشيعة أضل من اليهود والنصارى الخ من تخرصات لحى مثل وجدي غنيم والشيخ كشك… لكن واقعياً، فالاسلام السياسي الشيعي لا سبيل إلى تواجده بشكل مهيمن سياسياً في الشارع العربي المتخلف، وأقصى حظوظه للبقاء في معاقله هو ذاته مرتبطه بشكل أو بآخر في جزء منها ببقاء مؤشر البوصلة متجه نحو القدس حيث يُطل الدين السياسي على العالم بصبغته التلمودية التوراتية تحت شعار نجمة داود.
➖ فإذا انتقلت بعد ذلك لأزمة الدين السياسي بصفه عامة، فإنك تجد أنه ليست مشكلة الدولة التوراتية أمام الرأي العام العالمي اليوم في أنها ترتكب مجازر ابادة بشرية وحسب، فهي لطالما فعلت ذلك بل وتأسست بفعل ذلك. مشكلة صورة هذة الدولة (التي تفقد شرعيتها فور تخليها عن جوهر الخطاب الديني الاسطوري المؤسس لها) ان قطاع كبير من العالم -خارج منطقتنا- بالفعل بات يؤمن ويصدق بالخطاب العالمي لحقوق الانسان وشرعة القانون الدولي ولا يستوعب هذا الجمهور، مثلاً في الغرب، أن دولهم الليبرالية الديمقراطية، والتي طالما استخدمت منظومة الحقوق الدولية لفرض هيمنتها عالمياً، تتنكر علناً في غزة لمدونة الحقوق العالمية. سابقاً في الغرب فإن المظاهرات خرجت مليونية ضد الإجرام الامريكي في ڤيتنام وضد احتلال العراق، ولكن توفر بدائل للإعلام المهيمن هذة المرة بوسائط التواصل الاجتماعي مع وجود أزمة عميقة في شرعية النظام الليبرالي الدولي، بل وفي الليبراليات الديمقراطية ذاتها بالتشكيك بمدى تمثيلها الصادق لشعوبها، كان كفيل بفضح تمادي النفاق الغربي في تستره على جرائم الدولة التوراتية. كي تتمكن الصهيوني المسيحية من القيام بدور فاعل في دعم الدولة التلمودية، فعلى الامبراطورية الامريكية أن تتخلى في خطابها العالمي عن مبرر وجودها كحافظ لأركان نظام ليبرالي دولي: في استحالة تحقق ذلك تقويض لأركان إما المنظومة الليبرالية الدولية أو للسردية السياسية التوراتية.
➖ إن مشروع الدولة العربية المستقلة، الغير تابعة، ذات الرسالة الحضارية، لا يمكن أن يكون استنساخ لأي من هذة النماذج الدينية الثلاث. لكن التاريخ لا يتحرك للأمام إلا بهذة التناقضات من جهة، وتناقضهم جميعاً مع وعي حضاري إنساني على قاعدة من حقوق يكفلها المشترك الإنساني العالمي من جهة أخرى: هذا هو أيضاً سند شرعية الحق المقاوم في فلسطين. هذة التناقضات ستتفاعل حتماً في منطقتنا مع ما سيتوفر مستقبلاً من هوامش حركة لأيديولوجيات نقيضه بُحكم تغير السياسات الاقليمية على وقع متغيرات جيوسياسية عالمية. لكنه لما كانت أيديولوجية ولاية الفقيه لا حظ لها من الهيمنة في الشارع العربي إلا بتحقيق اختراق فكري واسع المدى؛ ولما كان المد الشيعي في حد ذاته دعوة للتفكير النقدي في السردية التاريخية الرسمية برمتها وليس بالضرورة للإيمان بإمام غائب لا يعلم الله في أي سرداب يكون؛ ولما كان الإسلام السياسي السني لم يخرج عن دوره التاريخي في خدمة الامبريالية إلا حين ارتبطت بندقيته في فلسطين ليس فقط بمشروع تحرر وطني، ولكن أيضاً بتجاوز هويته الطائفية الضيقة بالتنسيق مع طهران؛ ولما كان الفقه السياسي السني يعمل تاريخياً بمنطق سلطاني ضد أيديولوجية الإسلام السياسي (حيث الثورة فتنة وشر، وحيث أن إمام ظلوم خيرٌ من أسد حَطوم، وإمام ظلوم غشوم خيرٌ من فتنة تدوم)؛ فإننا أمام مشهد تاريخي فسيفسائي عبقري يمكن إيجازه فيما يلي:
(١) أنظمة عربية خانعة تستدعي أحاديث البخاري ومسلم وقتما شاءت لقمع من يعود إليهما لنسج ماضي مجيد ذهبي متخيل لإقامة دولة دينية. أنظمة لا تستطيع التخلي عن الخطاب الديني وتقديم نموذج دولة مدنية معاصرة لأن تاريخ الخلافة الذي تقدمه معارضة الإسلام السياسي هو في النهاية تاريخ ملوك ونحن نعيش في ملكيات قروسطية حتى في جمهوريات البطيخ العربية؛ (٢) إسلام سياسي سني فُضِّحَت عورة نموذجه الرأسمالي التركي –الذي جرى تسويقه آخر عقدين– وهو النموذج العاجز عن الحركة خارج توجيهات الناتو وحسابات المصالح التجارية للبرجوازية التركية. الفصيل السياسي لهذا الإسلام السني أثبت تاريخياً أنه لم يتحرك جاداً خارج توجيهات الامبريالية رافعاً السلاح صوب القدس إلا بعدما يتلقى الدعم من عمائم شيعية؛ (٣) نظام ملالي يبدو ذي هيبة إقليمية بينما كادت تتقوض أركانه داخلياً بتظاهرات شعبية حول حجاب الفتيات منذ عام نتيجة عديد من التناقضات لا يمكن كبتها دوماً بالدعوة إلى صاحب الزمان. هذا النظام، شاء أم أبى أحفاد معاوية، هو ضرورة تاريخية في سياق التحول العالمي خارج منظومة القطب الأوحد؛ (٤) عالم يتحدث عن ذكاء اصطناعي وتقدم إنساني حضاري بينما نجمة داود تتراقص على وقع جرائم إبادة دولة توراتية تنتمي في سرديتها المؤسسة إلى عصور ما قبل الدولة الحديثة. في الوقت الذي تتجاوز فيه شعوب المنطقة العربية خطاب الدين السياسي بعدما شهدت مآسيه في الحروب الطائفية نجده يطل علينا يومياً من ثنايا التلمود وأساطير العهد القديم. ليس لنا من توراتهم نوراً بل ناراً مصوبة على شعوبنا لتحرق معها مفهوم الإنسانية بصفة عامة.

➖ هذة هي المسرحية التي نعيش فصولها يومياً والتي لن تُكتب لها نهاية سعيدة إلا بتصدع يبدأ داخل النجمة الزرقاء مع تشقق في قبضة عروش جمهوريات وممالك البطيخ العربية (لا يوجد لدينا من الموز إلا واحدة في قطر)؛ وكل هذا لا سبيل إلى تحققه إلا على وقع من تصدع في الهيمنة الامبريالية الامريكية عالمياً. من لا تعجبه ضرورات الراهن التاريخي فليتقدم لنا بنص عرض مسرحي أفضل من مسرحية الترضي على القاتل والضحية، ومساواة المُعتدي بالُمعتَدى عليه، والخانع بمن يستطيع أن يقول كلمة (لا): هذة مسرحية طوباوية غير تاريخية عمرها أكثر من أربعة عشر قرن، لم تعد تقنع أحد اليوم تماماً مثلما لا تقنع السردية التوراتية كل من يطمح في عالم أفضل. من قام بشق البحر اليوم هو الحوثي القحطاني ابن صعدة وعمران، وليس عصى موسى بن عمران: أفيقوا وحاولوا استيعاب هذة الحقيقة.
منشور Facebook
بتاريخ ١٧ أبريل ٢٠٢٤


by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من عربي ابن آدم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة