مُعقَّدة هي الحياة❗️

بكثير من الرشاقة بين ضرورة عدم تفويت لحظة ذرف الدموع على "البطل" [بمناسبة جنازة حسن نصر الله]، وبين محاولته عدم إزعاج متابعيه من "الثوار" [في أعقاب سقوط النظام السوري] ، كتب أحدهم معلقاً —في تلخيص لمنهجه "الثوري جداً" في مسألة تعقيد الحياة— إنه لا يوجد ما يمنع أن يكون الشخص بطلاً ومجرماً في آن! السطور التالية هي لتوضيح أن هذا التعبير هو نتيحة حتمية لعوار الرؤية بعين واحدة، بينما العمى كل العمى في الواقع يكمن في "جريمة" تغييب صاحب هذة الرؤية للنظرة الكلية.  

➖ هنا لابد من الإشارة إلى أنه لا يوجد شيء في الواقع اسمه تعقيد الحياة إلا لمن يرغب بممارسة دور الإله محاولاً القبض على جميع أوجه الحقيقة: من يتحدث عن أن الحياة معقدة يحاول أن يوفق بين موقفين يبدو أنهما متناقضين مع (و) ضد شخص ما أو نظام ما في لحظتين تاريخيتين مختلفتين. صراحة، فإن الانحياز هو دائماً للموقف الصحيح، لا للرجل الصحيح أو التنظيم الصحيح أو النظام الصحيح. فإذا صادف أن شخص ما، نظام ما، تنظيم ما اتخذ هذا الموقف الصحيح في لحظة تاريخية محددة، فيجب إعلان هذا الانحياز لهذا الموقف في تلك اللحظة، والتي هي بدورها لا تخلو من تعقيد بالمناسبة! ولا داعي للندم لاحقاً على موقفك اذا صدر من الجهة التي أيدتها ما لا يرضيك، ولا داعي لأن تعلن براءتك منها اذا ما انتهيت إلى أنها باتت على الجانب الخطأ من التاريخ في أحد مواقفها. فمن جهة، هي ليس مطلوب منها ارضاءك، ومن جهة أخرى، فإنه لا توجد جوانب خطأ في التاريخ في حركته الدافقة، ما لم تعتقد انك وصلت لنهايته!

➖ في هذا سبق وأن كتبت ما يتوجب نقله كاملاً في هذا السياق:
{أنت لا تعرف أ. ب. الفلسفة الجدلية إن عجزت، بمنطق الفهم، أن ترسم دوماً وفي كل لحظة تاريخية، خطاً فاصلاً بين الحق والباطل… والأهم، إذا عجزت بعد رسمك لهذا الخط أن تدرك، بمنطق العقل هذة المرة، أن رسمك لهذا الخط لم يكن إلا على رمال شاطيء حركة التاريخ في سيرورته وإن كان على الوجهة الخطأ، إذ أن التاريخ لا يتحرك إلا بالتناقضات بين أصحاب مواقف عملية. لكن رغم أن ما تكشفه حركة التاريخ هو تهافت نهايات كل موقف بوصفه ليس سوى تجسيداً لُمتناهي زائف، يبقى أنه لا سبيل إلى الوصول إلى الحق، أو ذلك اللا مُتناهي الحقيقي إلا بالتدافع في كل لحظة بين ما يبدو أنه الحق كل الحق في مواجهة آخر … عجزك اليوم عن الانحياز ليس سوى موت لشرعية أي موقف تتخذه في الغد … فلا تكونوا كالزبد يذهب جفاء بل امكثوا في الأرض ولو خطوطاً على الرمال، إذ تكمن فيها، وفيها فقط، سطور الغد} 🔽

➖ الآن، ما يتوجب التأكيد عليه هو أن التأييد لغير الموقف — أي للشخص— لا يعني سوى ولاء أعمى وتنازل عن فكرة الدعم النقدي، بل وتماهي لا مع الصحيح من المواقف، بل مع الصحيح من الأشخاص والأنظمة: هذة عبادة لآلهة وليست ممارسة واعية. الوعي هو إدراك أن التاريخ ليس مسرحاً للسعادة في نهاية الأمر، ومن يحاول أن يقطع مع الجانب السلبي في حركته، فهو يقطع مع الحركة الجدلية، ناهيك عن أنه لا يرى الجانب السلبي على الضفة الأخرى. لكن إذا كانت مقولة الجانب الصحيح من التاريخ لطالما استخدمت في سياق الحديث عن الحرية، بوصف إن كل تاريخ العالم هو حركة الوعي بالحرية، فيجب تذكر أن الحرية بدورها هي الوعي بالضرورة. (تعريف المفاهيم بشكل غير علائقي مع غيرها من المفاهيم —بمنطق تعريف الماء بعد الجهد بالماء— فممكن البحث عنه هناك في قاموس أحدهم الثوري الذي ينتج تصورات عوراء بطبيعتها). من هنا، فإن الزلل يكمن لدى البعض في أن نظرتهم الضيقة لمفهوم الحرية لا تتسع لاستيعاب معنى الضرورة: هؤلاء لا يقلوا خطلاً عن من يرى الضرورة في كل لحظة مبرراً لسحق أدنى حرية.

➖ الأمثلة فيما يخص خطأ اصحاب الرؤية الأولى أكثر من أن تُحصى، لكن أذكر منها عدم استيعابهم أن تدخل حزب الله في سوريا كان موقفاً صحيحاً في حينه، وأن تدخل روسيا في سوريا كان موقفاً صحيحاً في حينه، وأن تحدي روسيا للناتو في أوكرانيا كان موقفاً صحيحاً: بغير هذة المواقف مجتمعة لما كان من الممكن أن نتخيل وصولنا اليوم إلى مرحلة تقتنع معها الامبراطورية الأمريكية أننا أمام عالم متعدد الأقطاب، فإن لم يكن كذلك، فلا أقل من حقيقة أن عالم القطب الأوحد قد ولّى إلى غير رجعة. من هنا تنبع أهمية توضيح أن الراغبين في التغيير على مستوى دولة القطر الواحد ولا رغبة لديهم في التغيير على المستوى الدولي، هم لا يقلوا صفاقة وجهل في نظرتهم العوراء عن أولئك الذين لا يروا عواراً في ممارسة الاستبداد على مستوى الدولة موجهين كل نقدهم لاستبداد الامبراطورية على مستوى العالم. (*)

➖ إن الوصول إلى لحظة الانعتاق من مأزق التبعية والاستبداد، بل ونكبة الاحتلال المباشر للأرض ونكسة التخلف في الوعي الجمعي (بحيث لا تنفصل الهزيمة في أية جبهة منهم عن أخرى)، لهو أمر سوف يستغرق أعمارنا كلها —كما أورثتنا قرون هذة الحال التي نعيشها— التي يتوجب قضاء بعضها في المساهمة في عمل كل ما هو ممكن وضروري وصولاً إلى تلك اللحظة. لذا، فإنه أجدر بمن لا يتحمل تضخم غرور الأنا لديهم الصبر مع العمل الدؤوب، أن يكفوا عن الحديث عن جوانب صحيحة أو خطأ من التاريخ، إلا إذا كان حديثهم هو عن تاريخ ميلادهم لا عن تاريخ البشرية. الحياة ليست بهذا التعقيد، البعض فقط لا يعرف ماذا يريد!

=============

(*) أما لماذا لا أضع أمثلة لأصحاب الرؤية الثانية —تلك التي لا ترى سوى الضرورة ولو على حساب الحرية — والتي انتميت اليها في زمن مضى كما سبق وانتميت لسابقتها من قبلها، فهو لأنها هي أيضاً لا تُحصي وتسببت في كثيرٍ مما آلت إليه الأوضاع في منطقتنا المنكوبة: ليس الحديث هنا عن توازن، بل عن اقتناص فرص يكون فيه التغيير ممكناً على المستوى الدولي. لا يوجد ما يمنع من اقتناص الفرص لإحداث التغيير على المستوى المحلي، لكن قُل لي من حليفك، أقل لك من أنت!

منشور Facebook

بتاريخ ٢٤ فبراير ٢٠٢٥


Posted

in

, , ,

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من عربي ابن آدم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة