سبق وأن كتبت سطرين في ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٢ أسخر فيهما من (شبه مقال) وارد يومها في صحيفة الأخبار اللبنانية [بعنوان: المانيفستو الشيوعي: إعادة قراءة] يتطرق لفكر ماركس السياسي، حيث كتبت حينها ما نصه: (نادراًماتقعبينأيديكمقالاتتستدعياهمالهامنأولسطرمثلالسطرالتاليكمفتتحلمقاليستهلهالكاتببقوله: ترككارلماركس (1818 – 1883) نصّاًوحيداًيلخّصمجملرؤيتهالسياسيّة: “المانيفستوالشيوعي” !!) فكان أن بلغني –من يومين فقط– أن الكاتب قد رد يومها في صفحته (بحسب الصورة المنشورة في أول تعليق). وقد ورد في رده من الجهل أضعاف الاساءة الشخصية التي وجهها لشخصي المتواضع… لا تهم الإساءة، لكن المهم التصدي للجهل.
➖ الماركسية، شأنها شأن أي شيء في زمن السلعة هي عرضة لأن تكون مهنة وارتزاق أكثر منها فكر ثوري محل اعتناق. الكتابة في حد ذاتها عمل مُنتج بحسب ماركس، في تقسيمه الشهير للعمل المنتج وغير المنتج. ماهو الفارق؟ الفرق يكمن باختصار فيما اذا كان الاهتمام بالماركسية —أو أي موضوع آخر عرضة للتسليع— كموضوع للكتابة والنشر هو نشاط حيوي يعكس اهتمام أصيل لصاحبه، وطبيعة فكره أو حتى اهتمامه الشخصي وهوايته، أم أنه إنتاج بأجر لأجل كسب العيش والارتزاق. في ذلك يقرر ماركس أنه "لو كانت دودة الحرير تغزل لتأمين عيشها كدودة، لكانت أجيرًا كاملاً." (١). مثال دودة القز تحديداً عاد واستخدمه ماركس في كتاب رأس المال مشيراً الى الشاعر الانجليزي چون ميلتون الذي كتب "الفردوس المفقود" Paradise Lost قائلاً:
"لقد أنتج ميلتون الفردوس المفقود، مثلما تنتج دودة القز الحرير، كنشاط حيوي لطبيعته الخاصة بالذات، وقد باع منتوجه فيما بعد بخمسة جنيهات، وبذا أصبح تاجر سلع …. إن مغنية تصدح مثل عصفور هي عامل غير منتج. أما إذا باعت أغنيتها لقاء نقود، فإنها تكون، إلى هذا الحد، عامله مأجورة أو تاجرة سلع. أما إذا تعاقدت هذة المغنية مع رب عملها يجعلها تغني بهدف جني النقود، فإنها تصبح عاملاً مأجوراً، ما دامت تنتج على نحو مباشر رأسمالاً." (٢).
أما فيما يخص مهنة الكتابة تحديداً، سبق وقرر ماركس في كتابه مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي: نظريات فائض القيمة أن "الكاتب هو عامل منتج، ليس بالقدر الذي يُنتج فيه أفكار، ولكن بالقدر الذي يُثري معه الناشر: بكلمات أخرى، لأنه يعمل لدى رأسمالي" (٣). من يقرأ "أوهام ضائعة" في الملهاة الإنسانية للأديب الفرنسي، من القرن التاسع عشر، بلزاك Honore de Balzac يجده يُشبّه الكتابة، أي عمله هو شخصياً، بأنها نوع من أنواع الدعارة، فهي في النهاية خاضعة للسوق. لقد خصص بلزاك عديد من الصفحات في روايته — بدا وكأنها مُقحمة إقحاماً في الرواية— عن معامل الورق، ودور الطباعة، وأنواع الورق المختلفة؛ مصادرها، أسعارها، أطوالها، أسمائها، الخيوط المستخدمة فيها، جودتها فيما يخص أثر الماء عليها، القوالب المعدة لمقاييسها المختلفة، وأثر كل هذة الاختلافات على أوزان الكتب المختلفة وأسعارها الخ … (٤)، لا لشيء الا ليوضح كيف يفترس السوق ومتطلباته رومانسية الشاعر الحالم الذي يرغب في نشر عمله الأدبي.
➖ في نهاية الأمر، إذا كتبت قصيدة لمحبوبتك نتيجة مشاعر فياضة فقد ينتج عن عملك تأجج في العواطف، لكنه لن يُنتج رأسمال. فإذا رغبت بنشر هذي القصائد في تعاقد للنشر، فالعمل أصبح مُنتج بالمعنى الرأسمالي، إلا أنه منتج لأي شيء باستثناء المشاعر الصادقة بين شاعر عاشق ومحبوبته. فماذا عن الكتابة والنشر عن كارل ماركس بغرض الارتزاق؟! في العام ١٩٨٤، صدرت مقالة بعنوان "النظرية/الممارسة" جرى اعادة نشرها منذ ثلاثة أعوام كفصل في كتاب محرر بعنوان "فلسفة ماركس للثورة الدائمة لزماننا" صادر عن دار نشر Brill في لايدن، وكان مستهلها العبارة التالية:
The writings of non-Marxist scholars who are careerists in Marxism have become an industry unto itself. "الكتابة من الباحثين غير الماركسيين ممّن يمتهنون الماركسية أضحت صناعة في حد ذاتها" (٥). من المقصود في هذا المقال تحديداً ؟ نستكمل العبارة:
One such scholar, Terrell Carver, who has spent more than a decade in the field. "أحد هؤلاء الباحثين، هو تريل كارڤر، الذي أمضى اكثر من عقد في هذا المجال." (٦).
➖ المقال بأسره، والذي يحتل مساحة سبعة صفحات في الكتاب، مخصص لـ الباحث في الماركسيولوجي تريل كارڤر. المقال مليء باقتباسات من أعمال كارڤر التي ترفض الديالكتيك، كل نظرية ماركس في العمل، و نظرية فائض القيمة. باختصار المقال مخصص لفضح كارڤر من وجهة نظر ماركسية [رابط لمفتتح المقال كجزء من الكتاب منشور على موقع Brill ومتوفر للاطلاع …] (٧). لماذا هذا المدخل ضروري، وما علاقة كل هذا بالفقرة الأولى في مستهل ما كتبت؟ لا شأن لي بدودة القز، أو بمعنى أدق لا شأن لي بصاحب شبه المقال الذي سخرت من رؤيته، فجاء رده مستشهداً بأنه استقى معلومته من تريل كارڤر !!! فإذا أحسنا الظن بصاحبنا، فلربما كان اهتمامه أصيل بالماركسية فينتج كتابات عنها كما تنتج الدودة في طبيعتها: من يدري! إلا أن رده، إذا ما بقينا في دائرة حسن الظن، يكشف عن جهل بهذا التقسيم الماركسي الذي يوضح كيف يمكن ان تصبح الماركسية سبيلاً للارتزاق، أو بحسب تعبير بلزاك، كيف تصبح الكتابة أشبه بالعاهرة. لقد كان الاقتباس الأثير لكارل ماركس عن اسبينوزا هو قوله: أَنَّ الْجَهْلَ لَيْسَ بِحُجّة … فما بالكم لو كان الجهل أيضاً ليس بالرد الكافي؟ لا يهم اذا كان شخصاً ما ارتضى لنفسه أن يترجم حين يكتب ليبدو كمن يؤلف بنفسه دونما الاشارة للمصدر او لصاحب الفكرة إلا حينما تصله سياط النقد. الأهم من ذلك، هو أن تعرف ممن تنقل الأفكار التي تروج لها اذا كنت حريصاً على المدرسة التي تزعم الانتماء إليه!
➖ لذلك من الضروري التنبيه، أن السطور التالية لا تستهدف بالنقد من يجهل عمّن ينقل دون روية، بل ودون إشارة لأصل فكره! ونتمثل في هذا الإعراض بما جاء في جامع بيان العلم وفضله من أنه يجدّر عدم مناظرة الجاهل ولا اللجوج لما في ذلك من ذريعة الى التعلم بغير شكر … بل هذي السطور هي موجهه لمن يتابع صفحتي ممن هو معرض للجهل المركّب الذي يخرج به البعض، لا سيما ان نفراً من الاصدقاء (الافتراضيين) على الفيسبوك تابعوا رده. وحيث انني كنت بصدد التطرق لترهات بعض من يتشدق بالماركسية ولا يعرف منها سوى صور ماركس ولينين يتخذونها كشعار يغطي جهلهم، فهذي فرصة مناسبة لتدوين بعض الخواطر بهذا الشأن، لا سيما ان السوشيال ميديا تترى بحسابات وهمية لا تنفك عن تشويش الفكر الماركسي بنقل فكره من هنا واقتباس من هناك، بل وحتى اقتباس خصوم الماركسية عن جهل. حتى أضحت الماركسية على أيديهم أقرب الى وصف لينين بالكاريكاتور. لقد كتب عن هذا الكاريكاتور مستهلاً نقده بعبارة مأثورة "ان أحداً لن يشوه سمعة الاشتراكية-الديمقراطية الثورية إذا لم تشوه بنفسها سمعتها" (٨).
➖ لقد كان لينين حريصاً على التصدى لترّهات كل من ينقَّض على الماركسية وهؤلاء ليسوا خصومها فقط، إذ يوضح أن فيهم "عدا الاعداء السافرين والجديين، اصدقاء يشوهون سمعتها بلا مرد محولينها الى كاريكاتور" (٩). كيف الحال لو كان الكاريكاتور اليوم يتم رسمه بريشة من يزعمون انهم اصدقاء للماركسية وهم لا يفعلون سوى نقل أفكار أعداءها بغير تفكر ؟! أمثال هؤلاء، المهرجين ليسوا في وارد أن يكونوا موضع للنقد. فواجب التصدي بالنقد يكون للمَعين الذي ينضح ليستقوا منه طروحاتهم. وإذا لزم الأمر فضح عوار حجم الجهل المركب لمن ينقل عن خصوم الماركسية في سياق النقد للمصدر ذاته فلا بأس في ذلك. لقد كانت كل قراءات ماركس وكتاباته نقدية لا تُسّلم هكذا بأي قول كيفما اتفق وحيثما ورد ومن أي طريق! لقد أوضح غرامشي ضرورة الاشتباك النقدي، إذ أن الماركسية في نظره هي في حالة اشتباك مستمر "ولا يمكن تصورها الا في صورة سجال وصراع دائم" (١٠). هذا عن خصومها، فما بالكم بمن يتشدق بصور ماركس ولينين دون أن يقرأ لأيهما ؟ هؤلاء أولى بالكشف والتعرية ممن هو حريص على هذا الفكر. ما هو واجب الماركسي اذا لم يتمثل قول لينين –الوارد فيما يخص التصورات السياسية لماركس وانجلز – "حيال هذا الوضع. حيال انتشار تشويه الماركسية انتشاراً منقطع النظير، يتلخص واجبنا قبل كل شيء في بعث تعاليم ماركس الحقيقية" (١١) ؟
لكنه لما كانت اليوم مهمة التصدي لبعث تعاليم ماركس تجري على قدم وساق بالشكل الكاريكاتوري الذي ترونه، ممن يتلحفون بصورة ماركس وينقلون عن خصومه، ولما كان من العبث إيقاف العبث، فلا أقل من فضحه، ليس أكثر. أما فيما يخص صاحب صاحبنا تريل كارڤر، فمن سوء حظ صاحبنا ليس فقط حقيقة انني مطلع على الكتاب الذي استشهد به (لاحقاً)، بل إنني أعلم منه بصاحبه هو، والذي ينقل أفكاره وينسبها لنفسه ابتداء (ولربما لو أشار إليه بداية لكفى نفسه عناء السخرية). لا يمكن لمن كان ماركسياً ثم يقرأ كارڤر، أن ينقل عنه دونما نقد أو تفكر، ولا يمكن اعتبار ما يرد في أي كتاب أنه أحد المسلّمات، لا لشيء إلا لأنه وارد في كتاب من إصدارات كامبريدج!!
➖ نعود الى الكتاب ذاته لـ كارڤر، وهو بعنوان {ماركس: الكتابات السياسية المتأخرة} الصادر عام ١٩٩٦، والوارد في سلسلة كامبريدج عن نصوص في تاريخ الفكر السياسي، وقد سبقه أيضاً بعامين إصدار آخر في ذات السلسلة بعنوان {ماركس: الكتابات السياسية المبكرة} لمحررة جوزيڤ أوميللي … فماذا يقول كارڤر عن ماركس في كتابه؟ مثلاً فيما يخص العبارة الشهيرة لماركس عن العلاقة الجدلية بين البناء الفوقي الذي يقوم على أساس من البناء الاقتصادي للمجتمع الذي هو الأساس الواقعي، والواردة في مقدمة إسهام في نقد الاقتصاد السياسي لعام ١٨٥٩ والتي استهلها ماركس بعبارة "أن النتيجة العامة التي توصلت اليها لتصبح بمثابة خيط هادٍ في أبحاثي اللاحقة، إننا يمكن تلخيصها على النحو التالي… " (١٢)، فكيف يصف كارڤر رؤية ماركس عن العلاقة بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج وعهد الثورة الاجتماعية الواردة في كل الفقرة الشهيرة حسبما أورد في تلخيصه؟ يقول عنها مايلي:
(Guiding) these insights may have been, but what Marx actually wrote and published contradicts them in detail often enough to put paid to any notion that they were supposed to be true some necessary or invariable sense. Indeed the proportions themselves display an ambiguity that reflects haste and inattention…. These are now world famous, but are arguably confused even in the original. "ربما تكون تلك الرؤى هادية، إلا أن ما كتبه ماركس بالفعل ونشره يناقضها في التفاصيل بما يكفي ليقضي على أي تصور أنه يُفترض فيها أن تكون صحيحة بشكل ثابت أو ضروري. في الواقع، هذة الادعاءات نفسها تكشف عن غموض يعكس سرعة وعدم انتباه… لقد أصبحت اليوم ذات شهرة عالمية، لكنه يمكن القول أنها محيرة حتى في الأصل" (١٣).
➖ لست هنا في مقام النيل من صحة ادعاء كارڤر بتقييمه بشكل موضوعي، ولكني أقطع ان كلامه هذا ينال من أي زعم بماركسيته ويقطع بانتفاءها، فلا يقول ماركسي هذا الكلام، بل يمكن ان يصدر وبحق ممن يمتهن الماركسية كسبيل ارتزاق. هذة يا سادة مهنة، والمقال الذي أشرت اليه والذي يبحث في تخرصات كارڤر ونيله من الماركسية ويوثقها في غير موضع عنوانه هو
Marx’s Philosophy of Revolution vs. Non-Marxist Scholar-Careerists in “Marxism” فلسفة ماركس في الثورة (ضد) الباحثين الغير الماركسيين ممتهني الماركسية
ولكي لا نذهب بعيداً، أدعوكم الى الاطلاع ربما على الكتاب الوحيد المترجم بالعربية لـ كارڤر وقد صدر عام ١٩٨١ وهو عن فريدرك انجلز في سلسلة أكسفورد مقدمة قصيرة جداً، وقد أعيد طبعة عام ٢٠٠٣، وجرى نشره بالعربية مؤخراً. ففي هذا الكتاب سبق لـ كارڤر وكتب ذات الرأي السابق أعلاه بل وقام بتعميمه على جميع ما كتب ماركس، إذ يقول بعد اقتباس نص كارل ماركس، في مقدمته الشهيرة في إسهام في نقد الاقتصاد السياسي، ما نصه:
"الفقرة المقتَبسة السابقة كانت على قدر من التعميم أعلى بكثير من التعميم الموجود في قوانين الرأسمالية التي صاغها ماركس في أعماله المنشورة وغير المنشورة، التي كتبها بداية من عام ١٨٥٩ فصاعداً؛ وقد صرَّحَ بتلك القوانين على نحو دقيق وواثق، وتمثَّلت في: قانون القيمة، وقانون ميل معدل الربح للهبوط" (١٤). باختصار، ما قدمه ماركس من نظريات هي مجرد تصورات عائمة غارقة في التعميمات رغم الوثوقية التي يبديها ماركس حين طرحها. بذات الدقة والوثوق نستطيع ان نقول أن هذا كلام لا يصدر عن ماركسي.
أما عن الديالكتيك، فإن مثالية كارڤر تجعل الفلسفة لديه حكماً على قوانين الطبيعة، لا العكس، فيقرر في رفضه للجدل ما يلي: "اعتبر كلّ من هيجل وإنجلز أن العمليات الطبيعية جدلية 'في حد ذاتها'؛ ممَّا يوحي بوجود نوع من المعرفة أنكرها معظم الفلاسفة المعاصرين" (١٥). إلى هنا نقول، ان الأصل في الحكم على وجود الديالكتيك في الطبيعة من عدمه يعود لعلماء الطبيعة لا إلى الفلاسفة، وإذا صح ان التصور الجدلي للطبيعة يتنافى مع ما يقرره العلم فهو ينفي عن المادية الجدلية صحتها بقدر ما ينفي عن تريل كارڤر أي علاقة بها، وهو الذي يزعم في ذات الكتاب ان وحده "كان انجلز هو مؤسس المادية الجدلية والتاريخية" (١٦).
➖ كل هذا لا ينفي إمكان الاستفادة من جهود البحّاثة من غير الماركسيين ممتهني الماركسية، ممن يترزقون منها. وهذة نقطة مهمة طالما شحذنا سلاحنا النقدي ولم نتخل عنه. فمثلاً تريل كارڤر له جهود جيدة في البحث والتنقيب في النصوص وأصول مخطوطاتها فضلاً عن ترجماته الخ… هي جهود مدفوعة الاجر في النهاية ومدفوعة أيضاً بتحيزات لا تغيب إلا على غير الماركسي (حصراً). المرشد في التعامل مع الباحثين من خصوم المدرسة التي تنتمي إليها هو شيء من قبيل أن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله. لكن هذا أمر، والنقل عنهم باعتبار مقولات ممتهني الكتابة عن مدرستك الفكرية أنها مُسلَّمات عن هذة المدرسة هو شيء آخر تماماً. أزعم انني متابع جيد لما تنشره الأكاديميا الغربية عن الماركسية، وهي لا تحصى! أو بحسب تعبير كارڤر نفسه في كتاب صدر عام ٢٠١٥ عن البيان الشيوعي عن كامبريدج:
The hagiographical and debunking literatures on Marx (and his self-styled “second fiddle,” Engels) are enormous, as are the rather more considered academic commentaries and – since the global financial crises of 2008 – respectable journalistic notices. Marx is back! "الأدبيات التي تُمجّد والتي تُفند ماركس (ومن يزعم بنفسه أنه العازف الثاني، انجلز) هي ضخمة، كذلك بالأحرى التعليقات الأكاديمية الأكثر اعتباراً، و —منذ الأزمة المالية العالمية ٢٠٠٨— النشرات الصحفية المحترمة. لقد عاد ماركس!" (١٧).
ربما يكون الأكثر سعادة من الماركسيين أنفسهم بهذة الأدبيات الوفيرة الراهنة عن ماركس والماركسية هم من يمتهنونها للارتزاق، ففي آخر اصدارات كارڤر، الذي يمتهن الماركسية كغير ماركسي فيتخذ الكتابة والنشر عنها مهنة رغم إنكاره لها، ختم كتابه عن فرديريك انجلز الصادر هذا العام، والذي حررّه بالاشتراك مع آخر، بالعبارة التالية:
Engels is one of the most published and translated figures in the world, leaving us much to explore, and much to puzzle over. Lately some of this recovery is quite remarkably lively, affecting, and enjoyable. We’re lucky to have him around. "انجلز من أكثر الشخصيات التي يُنشر ويُترجم لها في العالم، بما يدع لنا الكثير للاكتشاف، والكثير للحيرة حوله. مؤخراً بعض هذة الاستعادة هي حيوية بشكل مميز، مؤثرة، وممتعة تماماً. نحن سعداء الحظ بوجوده حولنا" (١٨).
➖ لماذا لا يعتبر كارڤر وأمثاله أنفسهم سعداء الحظ بعودة ماركس وانجلز والماركسية وهم من يعتاشون بالكتابة عنها؟! ونحن أيضاً سعداء الحظ بهذا الكم الضخم من الكتب والدراسات، فهي تمثل للماركسيين مقاربات مختلفة وبحوث ودراسات وتنقيب اركيولوجي معرفي، إلا أنها لدينا خاضعة بدورها للنقد الماركسي ذاته. أيضاً هذة الكتب توفر فرصه لغير الماركسيين من الكسالى ممن يشقُ عليهم الاطلاع على ما كتب ماركس وانجلز فعلياً، فيقرأوا عنهما بدلاً من أن يقرأوا لهما. كذلك توفر هذة الكتب والإصدارات، بالنسبه لمن يزعموا أنهم ماركسيين، فرصه للنقل عنها كمدخل لنقد الماركسية بشكل غير مباشر بالكتابة بكل ثقة عن ماركس نقلاً عن رأي خصومه فيه، فإذا جرى كشف عوار رأيهم تعللوا بأن في العودة لنصوص ماركس في القرن التاسع عشر سلفية ماركسية، ففضلوا القراءة لكتابات معاصرة عنه ليخرجوا بها علينا بعدما اتخذوها حكماً على ماركس والماركسية! لا يهم أن تكون ماركسي أو ليبرالي أو اسلامي أو قومي أو أياً كان. المهم، هو أنك حين تتصدى للحديث باسم المدرسة التي تعتقد أنك تنتمي اليها، أن تعرف ماذا تقول وعن من تنقل، وما هي حقيقة توجهاته. لن يشفع لجهل أحدهم بالماركسية التشدق بصور ماركس أو لينين إن كانوا لا يفهموا معنى ما يقرأونه وبالتبعية ما ينقلونه. أسوأ من ذلك، إن كانوا لا يدركون ان من ينشرون افكارهم، ويسلِّمون بها نقلاً بغير إشارة لا عقلاً وعن دراية، هم من أشد خصوم الماركسية في الغرب، وإن ترَّزقوا من الكتابة عنها كمهنة، كما يفعل البعض في عالمنا العربي.
➖ ليس عيباً أن ترتزق حتى من تلك المدرسة الفكرية التي تزعم الانتماء إليها شريطة أن تعكس صحيح أفكارها حين تقدم عملك الُمنتج في منظومة رأس المال. إذ يدخل في ذلك بحسب ماركس حتى الأدبيات البروليتارية فيقول: "البروليتاري الأدبي في لايبزيغ الذي يُنتج كتباً، مثل موسوعة الاقتصاد السياسي، بطلب من الناشر، هو قريب تماماً من العمل المُنتج طالما أن رأس المال استولى على إنتاجه، ولم يحصل هذا إلّا لزيادته" (١٩). المهم هو إمعان الفكر في القضية التي يجر الحديث عنها واستخدام سلاح النقد في القراءة والاطلاع على أساس من أصول تلك المدرسة التي تنتمي إليها وتزعم الدفاع عنها، وتتكسب أسباب العيش بالحديث حولها. بخلاف ذلك، يُصبح الشعار الذي ترفعه بكل بساطة، من المنظور الماركسي، ليس سوى شعار خائن … تريل كارڤر لا يرفع صورة كارل ماركس … هو لا يخونه … فقط يكسب عيشه بالكتابه عنه.
———————-———————-———————-
(١) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي - المجلد الأول: عملية إنتاج رأس المال. ترجمة: فالح عبد الجبار (بيروت: دار الفارابي، ٢٠١٣)، ص ١١٢٨. (٢) كارل ماركس، العمل المأجور والرأسمال، ترجمة: إلياس شاهين (موسكو، دار التقدم، ١٩٨٥)، ص ٢١. (3) “'A writer is a productive labourer not in so far as he produces ideas, but in so far as he enriches the publisher who publishes his works, or if he is a wage labourer for a capitalist.” Karl Marx, “A Contribution to the Critique of Political Economy: Theories of Surplus Value,” in Marx & Engels Collected Works, V. (31) Marx 1861-1863 (London: Lawrence & Wishart, 1989), p. 14. (٤) بلزاك، أوهام ضائعة (ثلاثية) الرواية الأولى: الشاعران، ترجمة: ميشيل خوري (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، ٢٠٠١)، ص ١١٧- ١٢٣. (5) Raya Dunayevskaya, Marx’s Philosophy of Revolution in Permanence for Our Day (Leiden: Brill, 2019), p. 125. (6) ibid. (7) Marx’s Philosophy of Revolution vs. Non-Marxist Scholar-Careerists in “Marxism” (٨) ف. إ. لينين، "بصدد الكاريكاتور عن الماركسية وبصدد الاقتصادية الامبريالية،" (١٩١٦) في: لينين: المختارات في عشرة مجلدات - المجلد السادس (١٩١٥-١٩١٧)، ترجمة: إلياس شاهين (موسكو: دار التقدم، ١٩٧٧)، ص ١٥٣. (٩) المرجع السابق. (١٠) أنطونيو جرامشي، كراسات السجن، ترجمة: عادل غنيم (القاهرة: دار المستقبل العربي، ١٩٩٤)، ص ٤٣٥. (١١) ف. إ. لينين، "الدولة والثورة: تعاليم الماركسية حول الدولة، ومهمات البروليتاريا في الثورة،" (١٩١٧) في: لينين: المختارات في عشرة مجلدات - المجلد السابع (١٩١٧-١٩١٨)، ترجمة: إلياس شاهين (موسكو: دار التقدم، ١٩٧٧)، ص ١٥. (١٢) كارل ماركس، "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي،" (١٨٥٩) في: ماركس — انجلس: مختارات في أربعة أجزاء - الجزء الثاني (موسكو، دار التقدم، ب. ت.) ص ٧. (13) Terrell Carver, Marx: Later Political Writings (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. xiv, xv (١٤) تيريل كارفر، إنجلز: مقدمة قصيرة جداً، ترجمة: صفية مختار (وندسور: مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩)، ص ٨٢، ٨٣. (١٥) المرجع السابق، ص ٦٦. (١٦) المرجع السابق، ص ٦٤. (17) Terrell Carver and James Farr, eds. The Cambridge Companion to the Communist Manifesto (New York: Cambridge University Press, 2015), p. 1. (18) Terrell Carver, and Smail Rapic, eds. Friedrich Engels for the 21st Century: Reflections and Revaluations, (Cham: Palgrave Macmillan), p. 384. (١٩) كارل ماركس، المرجع (١).
اترك رد