مصطفى محمود وفكر (البمبة كشر)❗️


— تصدى دكتور فؤاد زكريا لوهم الصحوة الاسلامية مبكراً وكتب في ذلك العديد من الكتب والمقالات، من ذلك كتابه الحقيقة والوهم في الحركات الاسلامية المعاصرة، وكتاب الصحوة الاسلامية في ميزان العقل. وفي هذا الكتاب، كرس فؤاد زكريا الفصل الأخير لنقده لمصطفى محمود الذي يرى انه يقدم للقاريء "توليفه فكرية" وصفها بأنها "عطارة الفكر" والتي طلعت علينا بكتاب (الماركسية والإسلام) *

— بداية يسأل الدكتور زكريا عما إذا كانت حقيقة انتشار الكتاب الواسعة تعبر "عن قيمة حقيقية للكتاب، أم أنه من نوع انتشار فيلم (بمبة كشر) على حساب (المومياء)" ! هذا ما حاول أن يجيب عليه فؤاد زكريا في هذا الفصل الذي كشف فيه كم السخف والتناقضات التي يعج بها هذا الكتيب الأيديولوجي –والذي لا شك عندي أنه أحد إبداعات المخابرات الأمريكية و ماكينة البترودولار الوهابية. لقد كانت الملاحظة "الأهم" التي استلفتت نظر الدكتور زكريا في عرضه لسخافات هذا الكتيب هي بحسب تعبيره "هبوط المستوى الذي نوقش به موضوع الماركسية، وترديد المؤلف مجموعة من الكليشيهات المحفوظة التي لا تليق بأي باحث."

— من أطرف ما تقرأ في نقد زكريا لمحمود هو تعقيبه على حقيقة أن مصطفى محمود عدد في كتيبه "ما يتضمنه الاسلام من مباديء نظن في عصرنا الحاضر أنها من ابتداع الاشتراكية العلمية: فالإسلام لا يسمح بالطبقية، والإسلام يرفض التفاوت الفاحش في الثروات، وثروة الغني لا تكون مشروعة إذا كان في المجتمع فقير واحد لا يجد القوت، بل ان الاسلام –في رأي الكاتب– قد عرف المنطق الجدلي أو الديالكتيكي و استخدمه." هنا، يرد زكريا ببساطة؛ "كل هذا كلام جميل...و لكن ألم يُفكر الدكتور مصطفى محمود أبداً فيما يؤدي إليه كلامه هذا؟ إنه يجعل حملته الضارية على الماركسية أمراً لا معنى له، بل أمراً متناقضاً مع إيمانه الديني الذي يتدفق على صفحات كتبه ومقالاته. ذلك لأنه إذا كان الاسلام قد تضمن كل هذة المباديء التي دعت إليها الماركسية بعده بزمان طويل، فلا معنى للحملة على الماركسية و وصفها بأقبح الصفات! ... بل إنه إذا صح ما يقوله الدكتور مصطفى محمود فإن مهاجمته الماركسية أصبح مظهراً من مظاهر ضعف الإيمان و تزعزع العقيدة.".... في ذلك يقرر دكتور فؤاد زكريا ان هذا التناقض غير قاصر على مصطفى محمود "بل لقد شهدت السنوات الأخيرة سيلاً من الكتب التي ظهرت في مصر وفي بلاد عربية متعددة، تتحدث عن اشتراكية الاسلام، و تستمد كل المباديء الرئيسية في الاشتراكية من مصادر اسلامية ثم تهاجم الماركسية بكل عنف. و هذا ما لا أفهمه، لأن المنطق السليم لا يسمح لأصحاب هذة الكتب الا بأحد أمرين: إما أن يهاجموا الماركسية (وهذا حق مشروع لهم اذا شاؤوا)، ويؤكدوا أن الإسلام مخالف لكل مبادئها ولا يتضمن شيئاً مما تدعو اليه، وإما أن يؤكدوا اشتراكية الإسلام و يحترموا الماركسية لأنها تضمنت على الاقل بعضاً مما سبق أن دعا اليه الإسلام. أما أن يجمعوا بين محاربة مباديء الماركسية بضراوة وتأكيد سبق الاسلام إلى مبادئها الاساسية فهذا ما لا يقبله عقل ولا منطق."

— في هذة النقطة تحديداً يوجز فؤاد زكريا رده بما يتفق و الرد على وهم الاعجاز العلمي بأثر رجعي إذ يقول: " نتساءل: أكان من الممكن للدكتور مصطفى محمود أو أي كاتب آخر يسلك هذا الطريق أن يكتشف في الإسلام مباديء مثل: عدم السماح بالتفاوت الطبقي، أو تدخل الدولة في الاقتصاد، لو لم يكن ماركس نفسه، و غيره من المفكرين الذين دعوا إلى هذة المباديء قد ظهروا بالفعل؟ لقد اهتدى اليها الدكتور مصطفى محمود (بأثر رجعي) ... و بدا له أنها كانت موجودة هناك، في انتظار من يكتشفها. غير أن وقت اكتشافها لم يحن بعد إلا بعد أن توصل اليها مفكر عادي من عباد الله الفقراء أمثالي وأمثالك، وعندئذ فقط (وجدها) الدكتور مصطفى محمود وأمثاله من الكتاب في النص الديني. و الدليل على ذلك أن احداً لم يتحدث عن الاشتراكية في الإسلام الا بعد أن ظهرت الاشتراكية بالفعل، و بالطريقة العادية...وبالاختصار، فإن الدكتور مصطفى محمود يستحق الثناء على الجهد الذي بذله، و الذي سبق و أن بذله عشرات غيره، لكي يهتدي في النص الديني إلى مباديء أساسية في الاشتراكية؛ ولكنه لا هو و لا غيره كان سيتمكن من تفسير هذا النص بطريقة اشتراكية لو لم تكن الاشتراكية قد ظهرت بالفعل في مكان ما في العالم، وعلى يد إنسان عادي مثلي ومثلك."

— و في الختام، يُنهي دكتور زكريا نقده لمحمود في ختام الفصل بمطلب متواضع لا يخلو من خبث شديد اذ كانت خاتمة الكتاب هي هذة الفقرة: "وأخيراً، فإن لدي أمنية أطمع في أن تحققها لي، ولقرائك الكثيرين، هي أن تؤلف يوما ما (وخير البر عاجله) كتاباً عن "الرأسمالية و الاسلام"، حتى تكتمل لدى القاريء صورتك بوصفك مفكراً يناصر الاسلام وحده، لا هذا المذهب أو ذاك. وسأكون في انتظار كتابك هذا بشوق بالغ، وكل ما أرجوه، في هذة الحالة بدورها، هو أن تعطي الفكر الرأسمالي فرصة كاملة لكي يعبر عن نفسه من خلال مصادرة الأصلية، حتى لا يتهمك أحد أنك ظلمت الرأسمالية كما ظلمت الماركسية!"

أغلب الظن –رغم اني لست من متابعين منتجات العطارة الفكرية لمصطفى محمود– أن صاحب برنامج العلم والإيمان و الذي بزغ نجمه في دولة العلم والإيمان لم ينشر كتاب بعنوان الرأسمالية والإسلام، أرجو التصحيح ان كنت مخطئاً! إن ماكينة البترودولار الوهابية وضرورات مجابهة الشيوعية لم يكن من مصلحتها تشويه الرأسمالية باسم الدين كما عمد مصطفى محمود إلى تشويه الماركسية باسم الدين في كتيب لو صدر عن الشيخ كشك لما ادركت أن هنالك ثمة فارق في دوغمائية الطرح!

* فؤاد زكريا، الصحوة الإسلامية في ميزان العقل (القاهرة: دار الفكر المعاصر، ط ٢، ١٩٨٧).
منشور Facebook
بتاريخ ٩ مارس ٢٠٢١