
أية حقيقة يتبعها استنتاج ... إذا كنا امام حقيقة موضوعية بأن العالم يرزح تحت نير الرأسمالية بما يصوغ العلاقات الاقتصادية الاجتماعية ويحدد بنية الأفكار ذاتها ويعمد إلى تنميط نماذج فنية وأدبية للاستهلاك السلعي ويرسم سياسات العلاقات الدولية ويسوق لنماذج محددة من الخطاب الديني بما يتماشى مع مشروع الهيمنة، فإن الاستنتاج المباشر هو أن أي نقد غير ماركسي للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والفكري والديني هو عبث في أحسن الاحوال و خيانة في أسوأها ...
— الماركسية هي في المقام الأول أداة نقد وتحليل اجتماعي اقتصادي سياسي، ورفضها من باب انها ابنه سياق ثقافي مختلف في تفاعل مع لحظة تاريخية مختلفه هو رفض مضلل –أو ضال اذا افترضنا حسن النوايا– كونه يتغافل عن حقيقتين: الحقيقة الأولى، أن هذا السياق الثقافي قد امتد ليشمل الكوكب كله في اطار العولمة بفعل تمدد نمط الانتاج الرأسمالي؛ والحقيقة الثانية هي أننا لا زلنا نعيش في ذات اللحظة التاريخية للحقبة الرأسمالية و لم نتجاوزها !
— عن الحقيقة الاولى ذكر ماركس وانجلز في البيان الشيوعي منذ اكثر من ١٧٠ عاماً ان "حاجة البرجوازية إلى تصريف دائم لمنتجاتها، متسع باستمرار، تسوقها الى كل أرجاء الكرة الأرضية. فلابد لها من ان تُعشعش في كل مكان، ومن أن تنغرز في كل مكان، ومن أن تقيم علاقات في كل مكان" (١).
ما هو الفارق الثقافي الجوهري بين أوروبا منتصف القرن التاسع عشر وأي ركن من أركان الكوكب اليوم فيما يخص نمط الحياة اليومية، علاقات الهيمنة الثقافية والمجتمعية، وحقيقة ان الفكر او الوعي لا زال يتشكل على اساس من الواقع وعلاقات الانتاج وتوازنات القوة؟ الفوارق الثقافية شكلية و الجوهر واحد.
— عن الحقيقة الثانية صدر في العام ١٩٩٣ —بعد اشتهار دعوى نهاية التاريخ— كتاب لموشيه بوستون Moishe Postone بعنوان الوقت و العمل و الهيمنة المجتمعية: إعادة تفسير لنظرية ماركس النقدية
Time, labor, and social domination: A reinterpretation of Marx's critical theory
تركزت فكرته على حقيقة واحدة و هي أن كل ما يظهر من ديناميكية داخل المجتمع الرأسمالي و ثورة في التكنولوجيا لا يعني تحرك الزمن بل حركة داخل الزمن... كل هذا التغيير المتواتر في ادوات الانتاج ووسائل الاتصال والمواصلات وخلافه وصولاً الى شكل العمل في المجتمعات ما بعد الصناعية أو الاقتصاديات الرقمية،كل ذلك ليس سوى تحرك داخل الزمن لأن علاقات الانتاج ذاتها لم يمسها اي تغيير بما يستتبع ثبات علاقات الهيمنة المجتمعية وبالتالي النقد الماركسي للرأسمالية لا زال في محله. خلص بوستون إلى فكره مفادها أن الافراد والجماعات في المجتمع الرأسمالي تخضع لنمط الانتاج السائد في خسارة لاستقلالهم الذاتي ومقابل ذلك يجري تعويضهم بتجاوز الانماط الاجتماعية التقليدية فيما يخص العلاقات الجنسية (٢). لذا كل القيم المجتمعية والمعاني الاخلاقية تبدو في حالة حركة في المجتمع الرأسمالي وتغير دائم لكن الذي لا يتغير هو الاستغلال: تلك السيطرة في معناها المجرد التي تسطو على حياتنا تحت عنوان حرية التعاقد في سوق العمل.
— إن الصورة أشبه باعطاء العبد محراث زراعي يدوي بدلا من الحرث بيديه العاريتين كما فعل جدوده في ذات عهد العبودية، أو السماح لأقنان الارض بالتنقل بعربة يجرها حصان في حقول الاقطاعي بدلاً من السير على الاقدام... طبيعة الاستغلال واحدة، ساعات العمل لم تقل بل يتوحش العمل ليصل إلى المنزل من خلال تقنيات التواصل الالكترونية، فضل القيمة يتسارع بشكل صاروخي، الفوارق الطبقية تزداد اتساعاً، الاغتراب الانساني لا زال جاثماً، وأسوأ من هذا كله فالكوكب بأسره مهدد بالانهيار بيئياً و تغيره المناخي في العقود الاخيره هيأه اكثر ليصبح عرضه لأوبئة فتاكة ...الاهتمام بالانسان في ذاته لا زال على نفس مستوى الانحطاط بما يشهد عليه ما فضحته اجراءات التقشف في قطاعات الصحة في اوروبا و امريكا مما تسبب في كارثة صحية على وقع أزمة كورونا...
— ربما افضل من عبر عن هذا الثبات الاستاتيكي في الواقع المعاش مع التغير المستمر في الصورة هو الكتاب الشهير "كيف تقرأ دونالد داك: الأيدولوجيا الامبريالية في كوميكس ديزني" و الذي صادرته السلطات الامريكية في اوائل السبعينات من القرن الماضي وهو لكل من الكاتب الامريكي ارييل دورفمان و البلجيكي أرمان ماتيلار
Dorfman, Ariel, and Armand Mattelart
How to Read Donald Duck: Imperialist Ideology in the Disney Comic.
هذا الكتاب صدر ليعري ايدولوجيا الحرب الثقافية في امريكا اللاتينية من خلال نقد ما يتم تصديره من افكار منتجات رسوم ديزني الحركية التي يبدو فيها فشل بطوط الدائم نتيجة مباشره لقدراته الفردية و لا علاقة له بالمعوقات البنيوية في المجتمع.
و لا أجد افضل تلخيصاً من فكرة الكتاب من مقال نُشر في الاخبار اللبنانية العام الماضي ورد فيها : "لكن الثيمة الأعمق وراء ذلك كله هو الثبات الاستاتيكي للحياة في مدينة البط رغم كل المغامرات المثيرة. فالشخصيات ثابتة في قوالب لا تتغير مطلقاً. حتى عندما تظهر في أدوار تاريخيّة أو تسافر عبر البحار، فإنها تحتفظ بذات الأبعاد، وتبقى الهيمنة الذكوريّة البيضاء ومركزيّة المال كمصدر للقوة والسعادة أساساً لكل حكاية جديدة. هذا هو النظام الطبيعي للأشياء: يتغير كل شيء، لكن الرأسماليّة خالدة وباقية وتتمدد." (٣).
— باختصار، لسنا فقط بصدد إعادة مستمرة لإنتاج المفاهيم الثقافية التي خرجت الماركسية لتتصدى لنقدها بل ان هذة المفاهيم باتت معولمة كنتيجة حتمية لعولمة علاقات الانتاج المؤسسة لها. أيضاً فإن الزمان لم يتحرك قيد أنملة إذ لا زلنا نعيش في الحقبة الرأسمالية ذاتها، كل ما يحدث هو ان البشرية بأسرها تتحرك داخل الزمان ذاته وهو تحرك باتجاه الكارثة...
— لا فارق كبير بين واقع الأفارقة في أمريكا قبل الحرب الأهلية وواقعهم الاقتصادي الاجتماعي بعد أكثر من قرن و نصف من تحريرهم... لا فارق بين فاشية أوائل القرن الماضي و فاشية بدايات القرن الحالي... لا فارق بين دور رجال الدين بالأمس واليوم ... ولا فارق بين واقع التخلف العربي بالأمس وبينه اليوم لأن قواعد الهيمنة الدولية المدفوعة بضرورات توسع رأس المال هي هي لم تتغير... تلك القواعد التي تشترط تخلف الآخر لضمان الهيمنة ... لذا ما يبدو ساكناً رتيباً مملاً في واقعناً العربي ليس سوى صورة معكوسة لحقيقة ساكنة ورتيبة على مستوى واقع علاقات الانتاج التي لم تتغير منذ قرون في الغرب بل وأضحت تغمر ثنايا العالم كالماء المسكوب... إن بطوط في العدد الاول من مجلة ميكي هو بطوط في العدد الأخير لسبب بسيط هو أن العم دهب في العدد الأول هو هو العم دهب في العدد الأخير! فقط إذا تغيرت المجلة ذاتها سوف يتغير واقع ومصير بطوط.
(١) كارل ماركس وفريدريك انجلز. البيان الشيوعي. ترجمة سلامة كيلة. كراسات ماركسية (١). (القاهرة: روافد، ٢٠١٤)، ص ٢٤.
(٢) Postone, Moishe. Time, Labor, and Social Domination: A Reinterpretation of Marx's Critical Theory. Cambridge [England]; New York, NY , USA;: Cambridge University Press, 1993.
(٣) محمد، سعيد. الأيدولوجيا الإمبريالية ل "العم بطوط". الأخبار اللبنانية (٥ يناير ٢٠١٩).
منشور Facebook
بتاريخ ٤ يوليو ٢٠٢٠