
>>>> العام ١٩٩٧ <<<<
قبل عشرة اعوام من الازمة المالية العالمية التي لا نزال نعيش آثارها إلى اليوم، أصدرت مجلة ال New Yorker مقالاً بعنوان The Return of Karl Marx (عودة كارل ماركس) بقلم John Cassidy، الصحافي الامريكي و المحرر السابق لصحيفة The Sunday Times اللندنية. المقال جاء بوحي من قصه يرويها عن عطله صيفيه قضاها مع صديقه في بدايات صيف ذلك العام، ١٩٩٧. يبدأ المقال عن تجاذب لأطراف الحديث حول حمام للسباحة لينتهي بحديث عن البيت الأبيض ... يبدأ بما تفاجأ به الكاتب و ينتهي بما لم يكن أبداً مفاجئاً عند من كتب عنه: كارل ماركس... وبين دهشة الكاتب في البداية ويقين ماركس في النهاية يمكن تلخيص سطور المقال في النقاط الثلاث التالية:
(١) مفاجأة الكاتب: في البدء، يشير الكاتب إلى لقاءه بصديق قديم كان زميله في الدراسة بجامعة أوكسفورد في أوائل الثمانينات. صديقه، الذي اصبح ناجحاً جداً في مجال الاستثمار المالي وبات يعمل في أحد البنوك الاستثمارية الكبرى في وول ستريت Wall Street ، قال له و هما يتجاذبان اطراف الحديث عن الاقتصاد بين جولات الغطس في حمام السباحة، و هنا يقتبس الكاتب نص الحديث:
“The longer I spend on Wall Street, the more convinced I am that Marx was right”
"كلما قضيت وقت في وول ستريت، كلما ازداد اقتناعي بأن ماركس كان محقاً"
— يقول الكاتب، كنت اعتقده يمزح ! لقد درسنا سوياً في كلية الاقتصاد إن كينيز كان مصيباً في خطأ نظريات ماركس الاقتصادية و انها لم تكن سوى شعوذات “hocus-pocus”... ثم يسترسل الكاتب في اقتباس نص عبارات صديقه
“There is a Noble Prize waiting for the economist who resurrects Marx and puts it all together in a coherent form,” he continued, quite seriously. “I am absolutely convinced that Marx’s approach is the best way to look at capitalism.”
"ثمة جائزة نوبل في انتظار الاقتصادي الذي يعيد بعث ماركس و يضع الأمر برمته في نموذج محكم." أردف قائلاً، بشكل جدي "انا مؤمن بشكل مطلق بأن منهج ماركس هو الطريقة المثلى للنظر الى الرأسمالية."
— ثم يفرغ كاتب المقال من تلك المقدمه بقوله "لقد قررت انه اذا كان مضيفي، بكل خبرته الدولية في الموارد المالية، يُقر بأن لدى ماركس ما يقوله، ربما هذا هو الوقت لألقي نظره." و يبدو ان الوقت كان مناسب جداً حينها لان Cassidy كان يحضر رسالته للماجستير في الاقتصاد من جامعة كولومبيا في تلك الفترة.
أيا كان الأمر، ينطلق صاحبنا في رحله بحثه لتبدأ المفاجأة في التبخر و يزول الشك في ان الأمر لم يكن بالفعل مزحة!
(٢) مضمون المقال:
— يبدأ مما يقرره الكاتب حين بدأ في جمع كتابات ماركس ليعيد اكتشافه – بوحي من الجدية التي وجدها من صديقه– فيستهل حديثه عن سهوله الحصول على سهولة انتاج ماركس الفكري بقوله انه "بالكاد يوجد أحد يقرأ ماركس هذة الأيام"
“Hardly anybody reads Marx these days”
ثم يشرع الكاتب في عرض تصوره عن فكر ماركس في ٩ صفحات هي حجم كامل المقال الذي لا يخلو من اعلانات لمنتجات تجارية باستثناء صفحة المقدمة و الصفحة الثانية التي توسطها بورتريه للمفكر الكبير عارياً في جلوسه وحيداً مطرقاً رأسه!
يبدأ Cassidy بملاحظاته بشأن اسلوب كتابة ماركس الأدبية و يقتبس بشأنها كلمات Edmund Wilson قبل خمسين عاماً عن أن كلمات ماركس "معبأة بقوة تفجيرية عالية"
“dense with the packed power of high explosives”
ليصل عبر كثير من الملاحظات، التي قد تتفق او تختلف معها، الى استنتاجين مهمين؛ أولهما فيما يخص تأكيد ماركس على قوانين حركة المنظومة الرأسمالية لا سيما فيما يخص الفكرة المركزية فيها وهي النمو لأجل النمو ويقتبس نقد ماركس عن التراكم في كتاب رأس المال
“Accumulate, Accumulate, Accumulate! That is Moses and the Prophets.”
"راكموا، راكموا، راكموا! هذا هو موسى والانبياء."
ليقرر الكاتب بعدها اكتشافه ان الكثير من المفكرين البارزين و المُنظرين الشهيرين في الغرب — لا سيما فيما يخص نظرية النمو الذاتي endogenous growth theory عادة ما لا يقرون بأن "ماركس هو جدهم الفكري، إلا ان نماذجهم هي بالتأكيد ماركسية الروح"
“Usually fail to credit Marx as their intellectual forefather,... but their models are undoubtedly Marxian in spirit”
— وثاني هذة الاستنتاجات ان العديد من الاصلاحات التي تبنتها الانظمة الرأسمالية الغربية في القرن التالي على وفاة ماركس ليست في الكثير منها الا استجابة لمطالبات ماركس وانجلز في البيان الشيوعي ! في ذلك يقول،
“These ameliorative measures would have been labeled ‘socialism’ in Marx’s days; indeed, he prescribed many of them in the “Manifesto,” and it is difficult to see how capitalism could have survived without them.”
"هذة الاجراءات الاصلاحية كان يمكن تسميتها 'اشتراكية' في زمن ماركس؛ في الواقع، هو وصف العديد منها في 'المانيفستو'، ومن الصعب رؤية كيف كان للرأسمالية ان تصمد بدونها."
— طبعاً لم يُشر الكاتب – بحسن او بسوء نية– الى ان التنازلات التي قدمتها الرأسمالية الغربية و التي شكلت ما يُعرف بدولة الرفاه جرت في ظلال شبح الثورة الشيوعية، فالمقال -على أية حال- جرت كتابته في العقد الاول من انهيار الكتلة الاشتراكية و في ظل الانتشاء بالنصر الرأسمالي...
(٣) يقين ماركس: يختم الكاتب مقاله بالاشارة لعدد من اساتذه الاقتصاد المعاصر، لا سيما من جامعة هارڤارد وغيرها من الجامعات الامريكية المرموقة، في تأكيداتهم لما سبق وان قرره ماركس قبل قرن ونصف من كتابه المقال عن مركز القوة في المنظومة الرأسمالية – والتي تفعل فعلها اليوم في تآكل مصداقية الليبرالية السياسية— اذ يختم الكاتب بقوله
“Marx, of course, delighted in declaring that politicians merely carry water for their corporate paymasters. “The executive of the modern State is but a committee for managing the common affairs of the bourgeoisie", he wrote in the “Manifesto,” and he later singled out American politicians, saying they had been "subordinated" to “bourgeois production” ever since the days of George Washington. The sight of a President granting shady businessmen access to the White House in return for campaign contributions would have shocked him not at all.”
"ماركس، بالطبع، يجد سعادة بالاعلان عن أن الساسه ليسوا سوى منفذي رغبات الشركات التي تصرف اجورهم . كتب يقول في المانيفستو 'الادارة التنفيذية في الدولة الحديثة ليست سوى لجنة لتصريف شؤون البرجوازية'، ولاحقاً أفرد حديثه عن الساسة الامريكان قائلاً انهم اضحوا 'خاضعين لانتاج البرجوازية' منذ أيام جورج واشنطن. ان مشهد الرئيس الذي يكفل وصول رجال الأعمال المشبوهين الى البيت الأبيض في مقابل مساهماتهم في الحملة [الانتخابية] لم يكن ليصدمه على الإطلاق."
— ثم يُنهي صاحبنا مقاله، التي بدأها بدهشه وشك تحولت إلى فضول ليصل إلى الاشاره ليقين ماركس، بقوله:
“he was a man for whom our economic system held few surprises. His books will be worth reading as long as capitalism endures.”
"لقد كان رجلاً بالنسبه إليه يحمل نظامنا الاقتصادى القليل من المفاجآت. ان كتبه ستبقى جديرة بالقراءة طالما بقيت الرأسمالية."
>>>> القرن الحادي والعشرين <<<<
— مرت السنوات و يُصدر صاحبنا Cassidy في العام ٢٠٠٢ كتابه الشهير بعنوان
Dot.con: The Greatest Story Ever Sold
وهو الكتاب الذي ناقش فيه انهيار البورصة بسبب فقاعة شركات الانترنت اواخر
التسعينات وقد اسماه
dot.con و ليس dot:com
في إشارة للخدعة في تسويق اسهم تلك الشركات، و ليس للخدمة التي تقدمها، و هو الكتاب الذي كرس فيه فصله الثاني لإعادة قراءة السردية الرأسمالية و كيف يجري ترويجها بعنايه في وسائل الاعلام لتصبح شيء اشبه بماء و خبز المواطن البسيط.
— وفي اعقاب انهيار البورصة العالمية في ازمة السوق العقاري اصدر صاحبنا في العام ٢٠٠٩ كتابه الثاني بعنوان
How Markets Fail: the Logic of Economic Calamities
كيف تفشل الأسواق: منطق الكوارث الاقتصادية
وهو الكتاب الذي قسمه إلى قسمين رئيسيين بعنواني ١) الاقتصاد اليوتوبي؛ ٢) الاقتصاد الواقعي، متتبعاً فيه ادبيات الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي ومزاعم النيوليبرالية ومدرسة شيكاغو ويقرر أنها في حقيقتها ليست سوى "مانيفستو" ايديولوجي، لينتهي في عرضه التفصيلي الى فصله الأخير بعنوان Socialism in Our Time
الاشتراكية في أيامنا ، وهو الفصل الذي بنى فيه على كل ما سبق وقرره في طول الكتاب وعرضه من ان فكرة اليد الخفية للسوق الحر ليست سوى اقتصاد يوتوبيا يخدم اغراض محددة، وأن مزاعم حرية السوق ليست سوى ابتكار أيدولوجي لا سند له من الواقع أو التاريخ بل يهدف إلى تحقيق واقع رأسمالي بعينه و يعيد إنتاجه؛ اذ يقرر في ختام كتابه ما يلي:
“If this book hasn’t succeeded in anything else, I hope it has demonstrated that the idealized free market is a fiction, an invention: it has never existed, and it never will exist.”
"إن لم يفلح هذا الكتاب بتحقيق أي شيء آخر، فأنا آمل انه أوضح كيف أن فكرة السوق الحر المثالية هي وهم، اختراع: انها لم تتحقق قط من قبل، ولن تتحقق أبداً."
— دعى Cassidy في خاتمة كتابه صراحة الى اعتبار كارل ماركس أحد القلائل الذين يجدر الأخذ بما يقوله بشأن فلسفه التاريخ على محمل الجدية... لم يصبح صاحبنا ماركسياً، لكنه –وهو الحاصل على درجتي ماجستير في الصحافة والاقتصاد من جامعتي كولومبيا ونيويورك– توصل، بقراءة ماركس أولاً، وبتحليل ازمات الرأسمالية العالمية المعاصرة في ضوء مزاعم أدبياتها الكلاسيكية ثانياً، إلى اليقين الذي كان لدى ماركس ....
— لقد كشف ماركس عن قوانين حركة المنظومة الرأسمالية والتي لا تزال تفعل فعلها ايا كان الشكل الذي يأخذه نمط الانتاج الرأسمالي سواء وقت الثورة الصناعية او الثورة الرقمية لانه يوجد ثمة قانون يحكم هذة الحركة في شتى تجلياتها ... اليقين الذي توصل اليه ماركس وأضحى حقيقة لدى صاحبنا هو ان الذي يجري ترويجه عن السوق الحر ليس سوى دعاية ايديولوجية وكذب بواح يقلب الواقع ...
إن شك Cassidy في افكار ماركس —الذي تأصل في شبابه اكاديمياً بدراسه الاقتصاد بشكل مؤدلج في أوكسفورد— تحول الى شك في المنظومة الرأسمالية ذاتها ... حدث هذا عبر اليقين الذي اطلع عليه في كتابات ماركس من ان زاوية الرؤية معكوسة: ان السوق الحر هو في حقيقته اقتصاد مخطط بعناية لتحقيق تراكم رأسمالي لفئة بعينها على حساب الجميع و يجري تسويقه باسم الحرية، بينما الاقتصاد المخطط ليس سوى تقييد لاحق لحرية منفلتة ذلك ان "حرية الذئاب لطالما تعني موت الخراف" !
الطريف في كل ذلك، أنه لولا عبارة عابرة لصديق Cassidy المليونير، أو الذئب لو صح التعبير، لبقي صاحبنا – على درجته الاكاديمية– خروفاً طوال عمره!

منشور Facebook ٢٠٢١
رابط المقال من موقع The New Yorker