النواة العقلانية في القشرة الصوفية: لا شيء ثابت إلا التغير

حين يستمع الصوفي لاتهام المتدينين بأنه يقول بوحده الوجود، أي اتحاد الله مع العالم، لا يملك إلا الابتسام قائلاً ألا يدرك أولئك الحمقى أنه لا يوجد عالم!  يردد ذلك ولسان حاله يقول الله وحده لا أريد سواه هل في الحياة حقيقة إلاه ؟ يسخر العارف بالله الصوفي من مقولات المنطق الارسطي والفصل بين السبب والنتيجة ورفع التناقض وغير ذلك من مقولات منطقية تشكل نظره المؤمنين في الأديان الإبراهيمية إلى عالم المخلوقات النسبي في مقابل الله أو الروح أو المطلق ...
الصوفي لا يعرف الله، بل يعرف بالله او بالعقل او بالروح، يرتقي في سلم المعرفة الروحية صاعداً من نفسه واصلاً اليها ... ذلك انه لكي يتمكن النسبي اي الانسان من أن يصير مطلقاً، يجب أولاً على المطلق أو الله أن يصبح نسبياً بدوره لكي يتعرف عليه الإنسان... الكتب المقدسة والاديان جميعها في نظر العارف بالله هي مجرد احد الاوجه النسبية لمعرفه الله؛ تلك الأوجه التي لا حصر لها ولا عد ... مسكين جداً رجل الدين إذ يتمسك بالنسبي الزائل بينما بامكانه هو أن يصير مطلقاً لكنه يعجز عن رؤيه الله اذا نظر في المرآة!
أي شيء تقع عليه عيناك، يقول لك الصوفي، اذا ما تفرسته جيداً و فحصته علمت انه الله! مما يُنسب لبوذا قوله انك إذا اردت استخراج مياه من باطن الارض فانت لا تحفر ٦ أبار بعمق متر واحد لكل منهم، بل تحفر بئر واحد بعمق ستة أمتار... وبحسب ابن عربي لقد صار قلبي قابلا كل صورةٍ، فمرعى لغزلان، ودير لرهبان، وبيت لأوثان، وكعبة طائف وألواح توراة، ومصحف قرآن... بمعنى آخر، كل الطرق تؤدى إلى روما وكل ما عليك فقط هو أن تبدأ الرحلة ... لكنك تبدأها من ذاتك لتصل إلى ذاته ...
قارن كل هذا بالنص التالي من موسوعة العلوم الفلسفية لهيجل والذي كان يعتبر "ان معرفة الله المستمدة من العقل هي المشكلة العليا في الفلسفة"، إذ يقول هيجل ما نصه:
"إن الفلسفه التي ترى أن الله، والله وحده، هو الموجود، ينبغي ألا توصم بأنها فلسلفة إلحادية: فحتى تلك الأمم التي تعبد القردة، أو البقر، أو الأصنام المصنوعة من نحاس أو حجارة، فإنه يُعزى اليها دين ما. لكن ما دامت الاشياء قائمة فإن خيال الرجل العادي، رجل الشارع، يشعر بنفور شديد من تخلّيه عن اقتناعه العميق بأن لكومة التناهي هذة التي يسميها بالعالم واقعاً فعلياً. إن القول بأنه ليس ثمة عالم، يُعبر عن طريقة في التفكير، يرى الناس بسرور، استحالتها، أو أنها أقل في إمكانها بكثير، على اقل تقدير، من اعتناق الفكرة التي تقول ليس ثمة إله. إن الطبيعة البشرية، بغض النظر عن المعتنقين أكثر استعداداً للإيمان بالمذهب الذي ينكر وجود الله، من الإيمان بالمذهب الذي ينكر وجود العالم. وهكذا فإن إنكار وجود الله أكثر معقولية، فيما يبدو من إنكار وجود العالم." *

إذن المعضلة عند هيجل فيما يخص اثبات الله عقلياً، كمشكلة اولى للفلسفة في نظره، هي ان انكار وجود الله اسهل من امكان انكار وجود العالم، وكل فلسفه هيجل مبنية تحديدا على انكار وجود العالم لاثبات وجود المطلق فقط ولا شيء غير المطلق ...
إن العالم النسبي المتناهي لا يصح ان يوضع في مقابل الله المطلق اللامتناهي فلا تُبصر أعيننا في الواقع سوى المتناهي وتعجز عن ادراك اللامتناهي أو فهم عجز هذا المطلق عن وقف الشر في العالم فينتهي المرء الى الإلحاد !

الحل؟ اقلب الآيه، واجعل من النسبي المتناهي مطلقاً بدوره ! كيف؟ عن طريق الديالكتيك وتحديداً نفي النفي حيث لا يكون المتناهي أو النسبي حياً الا في حركة نحو الفناء... إلا إذا كان موته هو يوم ميلاده والتناقض في صلب تكوينه وهذا التناقض هو سر حياته وحركته بحيث تكون حركته ليس في انتقاله من نقطه أ الى نقطة ب، بل في كونه موجود وغير موجود في ذات الوقت...
وإذا كان الفناء هو نفي للنسبي، فلا يصبح مطلقاً الا من خلال نفي هذا النفي وهو ما يتم بان ننظر الى الوجود بوصفه ليس سوى الوعي بالوجود، أو أن المتناهي والنسبي ليس سوى شيء خارج عن ذاته، وليس المظهر الخارجي الذي يظهر امامنا اي الوجود المادي سوى تجسيد للفكره، وبهذة الطريقة يرى هيجل أن لحم ودم المسيح يتجسدان بالفعل في الخبز والنبيذ لا كتصور خيالي أو مجازي بل لأن المتناهي أو النسبي، ذلك الخبز وذلك النبيذ وكل ما تراه عيناك بل أنت ذاتك لست في حقيقتك إلا شيء غير ذاتك!

لقد استخدم هيجل الديالكتيك المادي لينفي وجود الماده بالحركة المتناقضه فيها ... لنفي الماده ذاتها، بل والعالم بأسره، فتكون الحركة في العالم هي باتجاه الفكره أو المطلق، شيء أشبه بحب الصوفي إلى الله وشوقه اليه كشوق الجزء اللى الالتحام بالكل ... هنا، يصبح العالم في جوهره ليس سوى شيء متخارج عن ذاته، ليس إلا غيره ...
باختصار، و بحسب الفليسوف الايطالي لوتشيو كوليتي Lucio Colletti أن هيجل عمد إلى حل معضلة التقابل بين العالم وبين الله فقرر انه ليس ثمة وجود متقابل بينهما نشاهد فيها المتناهي والنسبي كل يوم ونعجز للأبد عن ادراك اللامتناهي لاننا اتبعنا المنطق الارسطي وفصلنا بين المتمايزين فينتهي بنا الأمر الى وضع الإنسان والعالم في مقابل الإله! الحل الامثل لتجاوز هذا التقابل هو فهم أن العالم والإنسان وكل ما هو نسبي ليس في ذاته إلا شيء غير ذاته وهذا الشيء في التحليل الاخير هو الله أو الفكرة المطلقة التي ابتلعت العالم... ومن هنا يبدو هيجل مادياً جداً في الدفاتر الفلسفية لڤلاديمير لينين، وعند فريدريك انجلز ، إذ أن هذة المادية —بحسب كوليتي— ليست سوى لإثبات عكسها أو أن المادة هي روح تسعى لإدراك ذاتها: هذا هو الفخ الهيجلي الذي سقط فيه لينين وانجلز بينما لم ينطليِ على ماركس الذي طور المادية بالجدل او الديالكتيك … **
الحديث هنا ليس عن وحدة وجود يكون فيها العالم متحد مع الله، بل عن أن العالم ليس موجود وأن كل ما هو موجود هو الفكره المطلقة، أو الله لأنه هو وحده اللامتناهي الحقيقي الذي يكون وجوده في ذاته ولذاته.
يوم مات هيجل، وبحسب موسوعة الفلسفة لعبد الرحمن بدوى، لم يُسمح بإلقاء تأبين على ضريحه نظراً لموقف السلطات الدينية منه حينها... بالقطع لو استمع هيجل من داخل التابوت عن لوم رجال الدين عليه بالقول باتحاد الله مع العالم، لابتسم بدوره متسائلاً أي عالم؟

لقد بقي فهم العالم أهم من تغييره، حتى جاء أحدهم فأدرك ذلك الخطأ، وقرر نزع القشرة الصوفية عن النواة العقلانية في فكر هيجل ليتغير من بعده وجه التاريخ إلى حين... تذكروا، لا شيء ثابت الا التغير!


* ج. ڤ. ف. هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية - المجلد الأول، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام.
** Colletti, Lucio. Marxism and Hegel. Translated by Lawrence Garner. London: New Left Books, 1973.


منشور Facebook
بتاريخ ٢ مارس ٢٠٢١