الموت لأجل العيش❗️

بالأمس القريب اندلع حريق بمصنع غير مرخص بالدار البيضاء في المغرب وقع ضحيته فوق الخمسين عامل، وبالأمس، حرفياً، وقع حريق مماثل في مصنع بمدينة العبور في مصر قضى فيه قرابة العشرين عامل نحبهم؛ وفي الحالتين كان عدم توفر شروط السلامة المهنية سبب رئيسي في وقوع الكارثة… ليس قدراً أن نموت أثناء العمل، ولكنه قدر من يعمل في ظل المنظومة الرأسمالية في أي موقع على ظهر هذا الكوكب… قد يزداد الخطر في دولنا النامية لكن صروح الرأسمالية ليست محصنة ضد المنطق الرأسمالي الذي يضحي بسلامة العمال في سبيل تحقيق أكبر هامش من الربح … 
— إذا كنت تعتقد ان الأمر مرتبط بدول العالم النامي، فإن السطور التالية حتماً تدعوك لإعادة النظر… في دولة متقدمة مثل كندا، كان ينبغي أن ينقضي القرن العشرين برمته حتى يصدر البرلمان الكندي في العام ٢٠٠٣ تعديل للقانون الجنائي بشأن المسؤولية الجنائية للشركات عن سلامة العمال والعامة فيما يخص النشاط التجاري للشركة… التعديل تأخر قرابة عشر سنوات إذ جاء على إثر فاجعة موت ٢٦ من عمال المناجم في حادثة وقعت في مايو عام ١٩٩٢ بانفجار في أحد مناجم الفحم يُدعى Wetsray coal mine في ولاية Nova Scotia، و قد كشف تقرير تقصي الحقائق الحكومي بعنوان
‏“The Westray Story: A Predictable Path to Disaster
(قصة ويستري: مسار متوقع للكارثة) أن الحادثة كانت متوقعة و من الممكن تلافيها
‏ “foreseeable and preventable”
— و بعد قرابة عشر سنوات من صدور القانون، أصدر استاذ العلوم الجنائية بجامعة أوتوا Steven Bittle كتاب في العام ٢٠١٢ بعنوان
Still Dying for a Living: Corporate Criminal Liability After the Westray Mine Disaster
(لا زال يموت لأجل العيش: المسؤلية الجنائية للشركات بعد كارثة منجم ويستري)

و هو الكتاب الذي يتضمن ما لا يمكن تصوره من احصائيات عن عدد ضحايا غياب السلامة المدنية في كندا، ويؤكد الكاتب أن التعديل القانوني الكندي يُمثل "المرة الأولى التي تتقدم بها الحكومة بأحكام جنائية تتعلق بالمسؤولية الجزائية للشركات."
“This legal amendment marked the first time that the Canadian government had introduced Criminal Code provisions relating to corporate criminal liability.”
— وبالرغم من ذلك، فالحقيقة التي يقررها الكاتب، وبعد عشر أعوام على صدور القانون، هي على النحو التالي
“Workplace injury and deaths, environmental crimes, and corporate fraud are rarely sanctioned or shamed. And when they are, punishments are much lighter than those received by the street offender who commits comparable acts of theft, fraud, assault, and murder.”
"حوادث الإصابة والموت خلال العمل، جرائم البيئة، واحتيال الشركات قلما جرى فضحها أو معاقبتها. وحين يجر ذلك، فالعقوبات هي أخف كثيراً من تلك التي يتلقاها مجرمو الشوارع ممن يرتكبون أفعال مشابهة من السرقة، الاحتيال، الاعتداء، والقتل
."

— تلك الحقيقة الإحصائية يؤكد عليها Harry Glasbeek أستاذ القانون بجامعة York University في تورنتو بكندا من خلال سلسلة من كتبه أحدثها كتاب
Capitalism: A Crime Story — الرأسمالية: قصة جريمة ، الصادر عام ٢٠١٨
وكتاب اخر صدر في العام ٢٠١٧ بعنوان
Class Privilege: How Law Shelters Shareholders and Coddles Capitalism
امتياز طبقي: كيف يحصن القانون حاملي الأسهم و يدلل الرأسمالية

بالقطع يُشير Glasbeek لكل صنوف الجرائم الرأسمالية التي تبدأ من التضحية بالسلامة الجسدية للعمال وتنتهي بسرقة تأمينات وحقوق المعاشات للعمال والموظفين بعد اشهار الشركات إفلاسها أو من خلال المضاربه بها في أسواق الأسهم بحصانة كاملة من قبل الدولة… إلا أن ثمة منطق حاكم يُشير اليه، وهو المنطق الدارويني لرأس المال الذي يلخصه الملياردير الامريكي الأشهر جون روكفيللر John D. Rockefeller بحسب ما ورد في كتاب Glasbeek بعنوان
Wealth by Stealth: Corporate Crime, Corporate Law, & the Perversion of Democracy
(الثروة بالسرقة خفية: جرائم الشركات؛ قانون الشركات؛ و انحراف الديمقراطية)

— يقول روكفيللر ما نصه:
“The American Beauty Rose can be produced in the splendor and fragrance which bring cheer to its beholder only by sacrificing the early buds which grow up around it. . .This is not an evil tendency in business. It is merely the working-out of a law of Nature and a law of God.”

"إن زهرة الجمال الامريكية (Beauty Rose) يُمكن إنتاجها، بالرونق والشذا الذي يبعث البهجة على حاملها، فقط من خلال التضحية بالبراعم المبكرة التي تنمو حولها... إن هذا ليس نزوعاً إلى الشر في مجال الأعمال (business)، إنه فقط عمل قانون الطبيعة وقانون الرب." !

لقد دخلت مقولة روكفيللر هذة كتاب أكسفورد للاقتباسات الرئيسية Oxford Essential Quotations وإن جرى تسويقها في سياق صراع الرأسماليين مع بعضهم البعض بحيث يكون البقاء للأقوى، فإن أحد أهم آليات القوة في هذا الصراع هو التخلص من تلك الأعباء والتكاليف المرتبطة بحفظ حياة البشر ممن تتضخم الثروات الرأسمالية على حساب أرواحهم…أولئك الذين لا ثمن لهم.

— هذا هو منطق النمو الرأسمالي على حساب حياة البشر؛ منطق قانون الطبيعة والقانون الإلهي في نظر الرأسمالي؛ داروينية فجة إذا وجدت من يتصدى لها في الدول المتقدمة فإنها تتسلل الى دول العالم النامي لتسمع يومياً عن حرائق بمصانع وانهيارات بمناجم أو مباني يتكدس فيها العمال كالبهائم من بنجلاديش إلى الأرجنتين …
بعد عشر سنوات من صدور القانون في كندا بشأن جرائم الشركات، استيقظ العالم في العام ٢٠١٣ على فاجعة Rana Plaza ومقتل اكثر من ألف ومائة عامل في انهيار مبنى في بنجلاديش حيث توجد خمس مصانع للملابس… يا للغرابة كانت بعض هذة المصانع مملوكة لشركات كندية ! البضائع الرخيصة تنهال على الاسواق الغربية من شتى بقاع العالم لأن العامل بلا ثمن، وبطاقة سعر المنتجات هي الوجه الآخر لبطاقة تعريف الموتى في المشرحة!

—هنا لا يملك المرء الا ان يتذكر تلك العبارة الواردة في المجلد الثالث من كتاب رأس المال لكارل ماركس التي لا تزال تتردد أصداءها من قلب القرن التاسع عشر الى فجر القرن الحادي و العشرين، إذ يقول:
"إن العمل المفرط، أي تحويل العامل إلى بهيمة عمل، إنما هو طريقة لتعجيل النماء الذاتي لرأس المال، لإنتاج فائض القيمة. ويقضي هذا الاقتصاد إلى حشر العمال حشراً في قاعات ضيقة غير صحية، أي الاقتصاد في البنية، حسب التعبير الرأسمالي، و حشر الآلات الخطرة، في هذه القاعات من دون استخدام أجهزة السلامة، وإهمال قواعد الأمان في عمليات الإنتاج المضرة بالصحة، بطبيعتها، أو المحفوفة بالخاطر، كما في المناجم وما إلى ذلك. هذا إذا تغاضينا عن ذكر انعدام كل التدابير التي تجعل عملية الإنتاج اكثر انسانية بالنسبة الي العامل، أو مريحة له، أو قابلة للاحتمال على الأقل. إذ أن ذلك سيكون، من وجهة نظر الرأسمالي، تبذيراً عديم النفع والمعنى. إن الإنتاج الرأسمالي عموما، بكل مافيه من بخل، لمسرف في التبذير بلا شك في المادة البشرية تماماً شأن تبذيره الشديد، من جهة أخرى، للموارد المادية جراء طريقته في توزيع منتوجاته عبر التجارة و أسلوبه في المنافسة، فهو يُحمِّل المجتمع خسارة ما يكسبه الرأسماليون الفرادى."

— كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي - المجلد الثالث: عملية إنتاج رأس المال ككل، ترجمة: فالح عبد الجبار (بيروت: دار الفارابي، ٢٠١٣)، ص ١٠٥، ف. [٩٧].

‏– Steven Bittle, Still Dying for a Living: Corporate Criminal Liability After the Westray Mine Disaster (Vancouver: UBC Press, 2012).
‏– Harry Glasbeek, Wealth by Stealth: Corporate Crime, Corporate Law, and the Perversion of Democracy, (Toronto: Between the Lines, 2002).
منشور Facebook
بتاريخ ١٤ مارس ٢٠٢١